إمعان… على العتيق!

تصوير مارك فياض.

ثمة ما يتجاوز حدود الاستغراب والصدمة في أن يكون فريق سياسي أساسي في البلاد يقبض على ناصية التحالف الحاكم لئلا نزعم انه الحاكم الوحيد القابع في مفاهيم وحسابات وأنماط سياسية أسقطها الزلزال الداخلي المتدحرج منذ اكثر من اربعة اشهر ولم يبقِ منها أثر بعد عين. قد يكون مفهوما وحتى مبررا في تقاليد العهود في كل دول العالم، ان يعزو الحُكم انجازات تحققت او في طور التحقق خلال ولايته الى نفسه حتى حين لا تكون بمجملها من صنيعته وحده كمسألة التنقيب عن الغاز في المياه اللبنانية البادئة حديثا. ولكن الانجراف الحاد في احتكار الملف النفطي وتجييره مسبقاً كأنه إنجاز خاص للعهد وتياره الحزبي وحتى للحلقة العائلية من خلال الوزير السابق جبران باسيل، يجنح بالرئيس ميشال عون في عز اهتزازات عهده الى ما واجهته أنظمة عربية او في بلدان العالم الثالث التي تشققت فيها المصائر وانهارت الجمهوريات وصارت كلها في مصاف الدول الفاشلة تماما. هذا التصنيف الطارئ مجددا لملف حيوي كأنه في خانة امتلاك فئوية، كان يمكن التسامح معه بمعايير الصراع التقليدي السابق للانهيار الهائل الذي بدأت مراحله تحاصر لبنان مع اندلاع انتفاضة غير مسبوقة لم يعد جائزا طمر رؤوس اهل العهد ومؤيديه بتجاهل ان العهد مسؤول عنها اسوة بسائر شركائه، وربما اكثر في اقل التقديرات والحسابات الواقعية البعيدة عن الديماغوجية الدعائية. واذا كان افرقاء أساسيون آخرون ارتضوا لأنفسهم الابتعاد طوعا او جرى إبعادهم قسرا عن الشراكة السلطوية بعد الانتفاضة وانبثاق سلطة حكومية وشراكة سلطوية أحادية اللون السياسي، فان ذلك يشكل عامل اثبات اضافيا لا يحتاج الى دلائل اخرى على ان اللجوء الى الادبيات الاحتكارية للافرقاء السلطويين الحاليين سيكون أسوأ ما يرتكبه هؤلاء، وعلى رأسهم العهد، من أخطاء فادحة في حق نفسه اولا وأخيرا. لا تثار هذه النقطة من زاوية استغراب ان يطلق العهد في عز التأزم والانهيار الحاصل في البلاد على كل المستويات، اناشيد التباهي بملف لا يزال اولا في بدايات مجهولة، وهو من الطبيعة الوطنية القومية الشمولية التي لا تحتمل اي انجراف او توظيف فئوي او حزبي أحادي، فكيف حين يكون ذلك برسم رئيس الجمهورية؟ ثم ان استعادة العهد لنغمة تحميل الطبقات السياسية المتعاقبة منذ ثلاثة عقود مسؤولية السياسات الاقتصادية والمالية وما آل اليه الواقع اللبناني الراهن، باتت أشبه بوصفة سياسية ودعائية باهتة فقدت كل صلاحيتها وجاذبيتها، فضلاً عن كونها لا تستقيم اطلاقا مع الحقائق الثابتة والدامغة التي تحمّل العهد وفريقه المشارك في السلطة منذ اكثر من عقد، ولا سيما السنوات الثلاث في الحكم، تبعات لا تقل اطلاقا عن تبعات الشركاء والافرقاء الذين يدأب العهد وتياره الحزبي على تحميلهم هذه المسؤولية. ولعل ما يتعين إبرازه في هذا السياق ان اللبنانيين بلغوا من مراحل اليأس من السلطة ذرواتها، بحيث صار لبنان المبتلي بالكارثة التي يتخبط فيها غير ذاك البلد الذي كان عشية انتفاضة فجَّرها الغضب واليأس والقنوط من الطبقة الحاكمة والسياسية والحزبية والادارية بكاملها، ولو لم تترجم بعد كل تداعيات هذا الانفجار الشعبي. وما كان مبررا في الحدود الدنيا قبل الانفجار الشعبي واليأس من السلطة، سقط سقوطا دراماتيكيا ولن تستقيم بعده انماط لا تؤتي إلا سلاسل من السياسات الخشبية.

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*