الرئيسية / home slide / إمبراطورية الروم الإسلاميّة: عثمانيّو مارك باير

إمبراطورية الروم الإسلاميّة: عثمانيّو مارك باير

 وسام سعادة
 القدس العربي
22112021

غلبت على مراجعات الكتاب الدسم والشيّق الذي صدر للمؤرخ الأمريكي البريطاني مارك ديفيد باير هذا الخريف تحت عنوان «العثمانيّون. خانات وقياصرة وخلفاء» إحدى نظرتين. فإمّا الأخذ عليه بأنّه أغدقَ على الإمبراطورية العثمانيّة شهادات في التسامح الدينيّ والثقافيّ على حساب تاريخيّة المقاربة، بل وفي تمغيط زائد عن حدّه لمفهوم التسامح نفسه، ومغبة زخرفة مرايا الاستبداد الشرقيّ به. وإمّا تقريظ كتاب باير لأنّه اجتهد في ربط التاريخين العثمانيّ والأوروبيّ، وسعى إلى الإبراز المتداخل لكل من السمة الأوروبية للسلطنة، والحقبة العثمانية من تاريخ البلقان وحوض الدانوب. وعند باير أنّه كما شدّد البيزنطيّون، الذين لم يعرفوا اسماً لدولتهم غير «مملكة الروم» على أنّهم ورثة روما، وأن القسطنطينية هي روما الثانية، فقد ورث العثمانيّون البيزنطيين في هذا، وتملّكت سلاطين عصرهم الذهبي، بدءاً من الفاتح، فكرة مواصلة التاريخ الروماني، بل أنّ الفاتح بإصراره حتى بعد فتح العاصمة، على إعادة تسكين الملل المختلفة فيها، والروم – اليونانيون بشكل أساسي، كان يتفوّق عن أسلافه أباطرة بيزنطية في استعادة النموذج الكونيّ المدائنيّ التعددي للعصر القديم الرومانيّ، وهو ما تماشى مع رعاية السلطان الفاتح للحركة الفنية والأدبية، بل أنّ باير يذهب، وفي البال كتاب جيري بروتون «نهضة البازار» هنا، إلى أن السلطان محمد الثاني من رجالات عصر النهضة الأوروبي. هذا النوع من المبالغات يعجّ به الكتاب، إلا أنّ ما هو أكثر مدعاة للتمعّن هو ما يلتقطه باير من إشكالية «رومللية» في التاريخ العثماني نفسه، تصلح كزاوية حيوية لاسترجاع تاريخ السلطنة. فالتاريخ العثماني يميّز بين الملة المهيمنة، الإسلام السني الحنفي، وبين الملة المسيحية الأساسية، «الروم» هذا قبل أن تتشظى الأخيرة في أعقاب استقلال اليونان عن السلطنة، واستحداث كنائس قومية بلقانية مختلفة، كالبلغارية، بالانفصال عن وحدة ملة الروم هذه. لكن التاريخ العثماني يميز أيضاً، وليس جغرافياً فقط، بين البلقان العثمانية، الرومللي، وبين الأناضول. لا بل ان الثنائية كما تتبدى في أعمال المؤرخ العثماني نهاية القرن السادس عشر مصطفى علي عبد المولى، هي بين «الروم» المسلمين، في شمالي غرب الأناضول وجنوب غرب أوروبا، وبين مسلمي الولايات الشرقية والجنوبية. وإذا كان العمل الريادي حول مصطفى يحفظ للمؤرخ الأمريكي كورنيل فلايشر في كتاب له عنه صدر عام 1986، فإن مارك ديفيد باير يحسن توظيف منظار المؤرخ العثماني المتبرّم من إخفاقه في أن يكون مقبولاً في بلاط السلاطين بعصره. لم يتمكن مصطفى علي من نيل الحظوة، وما كاد يقترب من مجتمع البلاط حتى أُبعد عنه، وارتحل الى البعيد، فتوفي في جدّة، ويبدو أنّه كان يخطط للهجرة الى الهند، ويمنّي النفس بإحتضانه وتقدير علمه ومواهبه في بلاط سلطانها المغولي أكبر. انعكست خيبة مصطفى علي من أمور البلاط في كتابه «نصحة السلاطين» الذي يتجاوز في المعهود في أدب النُصح. قدّم علي السلطنة في عصره على أنّها باشرت عملية أفولها التاريخي، واكتسب أثره مكانة مهمة من بعده انطلاقاً من أسبقيته في الإنباء بالأفول. بيد أن علّة الأفول حسب مصطفى علي كانت «إثنية» بامتياز. فهو يميّز بين العثمانيّ الأفضل، ابن الرومللي، كونه نتاج مزيج عرقي، وبين أبناء الولايات الشرقية والجنوبية للسلطنة. وعلى ما يلتقطه باير، فان مصطفى علي، وهو ابن بوسني مسيحي اعتنق الاسلام وأم من أسرة مسلمة محافظة، لم يكن يبخل بأوصاف هجائية ضد الكتابيين، لكنه في نفس الوقت كان يعتبر التزاوج بين المسلمين والكتابيين يحسن من النوع جسدياً وذهنياً في آن! عنده أن العثماني الأفضل هو الذي يعتنق الإسلام مع أنه لم يولد في عائلة مسلمة. فهو بذلك يسترجع في سيرته تاريخ السلطنة ويجدده بشكل حيوي.
الإمبراطورية العثمانية ارتفع سهمها حسب علي لأنها كانت امبراطورية الاعتناق الطازج للإسلام، وبخاصة عندما كانت طبقتها الحاكمة يستمد نسيجها البشري من «جزية الدم» أو نظام الدوشرمة، الذي يستوجب أخذ الدولة لنسبة من أطفال البلقان المسيحيين لجعلهم يعتنقون الدين الحنيف وتربيتهم ليكونوا أعمدة الدولة وانكشاريتها. هذا الانسلاخ عن الجذور العائلية، إنما في اطار استمرارية الانتماء «الروماني» هو ما يباهي به مصطفى علي، ويعتبر أنه كان أساسياً لإقرار معيار الكفاءة. لأجل هذا تراه يقيم تضاداً بين جناحين للسلطنة. الروم، أي البلقان والأناضول الغربي، وايران، وهي عنده تبدأ من ديار بكر. ولأجل هذا يحمل مصطفى علي على الكرد والتركمان، ويأسف لأن البلاط في عصره آخذ يعج بالعجم، على حساب الروم / المسلمين. كان لهذا النظرة تاريخ مديد قبل اندثارها. فهي صدى للانشطار قبلها بين سلاجقة عراقي العجم والعرب وبين «سلاجقة الروم» سواء كانت عاصمة هؤلاء نيقية على مرمرة أو قونية في قلب الأناضول. لا يختزل مارك ديفيد باير كتابه مع ذلك برصد هذه النظرة فقط، انما يتعقب مراحل التأليف بين سرديات ثلاث للعرش العثماني، كوريث في آن واحد لقياصرة روما وخلفاء الإسلام وخانات المغول، وارتباط الطموح الى الكونية عند العثمانيين بهذه الثلاثية، التي ربما كان يلزم رفعها الى رباعية مع لحظ أهمية النموذج الساساني للمُلك، ذاك الذي أعادت احياؤه شاهنامة أبو القاسم الفردوسي. بالتوازي، يلاحق المؤرخ حركة التوتر بين السلاطين وبين الصوفية المغالين، بدءاً من حركة الشيخ بدر الدين ثم بوركجله مصطفى في مطلع القرن الخامس عشر، وعثمان بابا في نهايته. الصراع كان صراعاً على التصوف أيضاً.

عصر التنظيمات الاصلاحية كان عصر الصوفية المولوية. لم ينقطع الأمر إلا مع عبد الحميد الذي حاربهم لصالح النقشبندية، وانقلب على الدستور في وقت واحد

التصوف السلطاني في مواجهة التصوف المغالي.
فالخلوتية دعمت بايزيد الثاني ضد عثمان بابا. وحرب سليم الأول على القزلباش خاضها بعد ان أمن البكتاشيين الى جانبه، رغم القرب الشديد بين الفرقتين.
وبالقفز الى القرن التاسع عشر، كان الصدام بين محمود الثاني وبين الانكشاريين، يوم عمد السلطان الى تصفيتهم في الواقعة الخيرية هو صدام بين المولويين الى جانبه، وبين البكتاشيين في صف الانكشارية.
عصر التنظيمات الاصلاحية كان عصر الصوفية المولوية. لم ينقطع الأمر إلا مع عبد الحميد الذي حاربهم لصالح النقشبندية، وانقلب على الدستور في وقت واحد.
الإطاحة بعبد الحميد غذتها نقمة المولوية عليه، وكذلك الدونمة، ورثة الداعية اليهودي شبطاي تسفي الذي اعتنق الاسلام عام 1666 مباشرة بعد ان اعتقله السلطان لأنه أعلن نفسه المسيح الموعود.
وعلى أهمية دور المولوية والدونمه في التأجيج ضد عبد الحميد، الا ان المؤرخ يعود فينبه الى ان معظم جماعة قادة الاتحاد والترقي ليسوا من الدونمه ولا من اليهود، بل يذكّر بأن الدونمة لم يعودوا يهوداً، بل فرقة مسلمة من أصول يهودية لها نظرة خاصة للمسائل.
في المقابل، عندما سعى أنصار السلطان للانقلاب على الانقلاب في ابريل 1909 تحركت مجددا النعرة بين المولوية وبين النقشبندية، وعندما نجح الاتحاديون في قمع الثورة المضادة ضدهم لم يترددوا في اعدام شيخ النقشبندية درويش وحدتي.
جماعة تركيا الفتاة هؤلاء كانوا بغالبيتهم من الرومللي. تعاملوا مع صعود الطبقة الوسطى المسيحية في صالونيك وسواها من مدنهم كتهديد لهم. في نفس الوقت، اعتمدوا الثقافة البرجوازية الأوروبية كنموذج لهم. شكلوا استمراراً لهذه النظرة التي تعلي من قدر أتراك الرومللي. في نفس الوقت كانت الرومللي، الجزء الأوروبي من السلطنة، تضيع. لم يتمكن مشروعهم المتمثل في حماية سلالة بني عثمان من نفسها الا بالتعجيل من ايقاع النهايات. نظرتهم الى الأناضول كانت في أساسها نظرة استشراقية «تحضيرية» للمصنفين متأخرين. بالتوازي، انتقالهم من سردية الاخوة التركية الارمنية الى سياسة المجازر، انبنت على بارانويا متعاظمة من انهم لن يسمحوا للاناضول من ان تكون مقدونية جديدة.
ورغم ان خيار مصطفى كمال كان القطيعة مع الحقبة العثمانية، الا ان باير يعيده الى النظرة الاستشراقية التي سادت عند نخب المرحلة العثمانية المتأخرة حيال النسيج الأناضولي. وهو ما يرمز له بحالة صبيحة كوكجن، المسمى مطار صبيحة تيمناً بها.
فهذه الفتاة التي تبناها أتاتورك، وبرزت في سلاح الجو، من بين أولى من خاض المضمار من نساء العالم، قادت عملية قصف مدينة درسيم لقمع أكرادها. ويبدو ان صبيحة كانت من عائلة أرمنية اختفى اثرها في أيام الحرب! وباير يتبنى أرمنية أصل صبيحة هذه، دون أن يتوقف عند الاعتراضات على ذلك، وهو ما يفعله في مواضع كثيرة من الكتاب، حول مسائل عديدة، إما لتسرع، وإما ايثاراً لصخب ايقاع التاريخ العثماني.

كاتب لبناني