الرئيسية / home slide / إليكَ أَتوبُ وَليُسامِحني ربّي

إليكَ أَتوبُ وَليُسامِحني ربّي

21-11-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

روني ألفا

روني ألفا

العلم اللبناني (تعبيرية- حسام شبارو).

خَرَجتَ يا وطني ولَم تَعُد. خَطفوكَ إلى جِهةٍ مجهولة. ترَكتَ لي قبلَ إبحارِكَ من أشيائكَ الخاصّة شرشَفَ استقلالٍ أُغَطّي بِهِ جسَدي فلا أبرُدُ في الليالي الحَزينَة. شرشفٌ مطرّزٌ عليه كلُّ الرّجالاتِ الذينَ قَطَعَ بطونَهُم حبلُ صُرَّة وأعناقَهُم حَبلُ مِشنَقة. كلُّ الذينَ رسموا أرزَتَكَ ولوّنوا ثلجاً ودماً على أطرافِ أغصانِها الخَضراء مُطَرَّزون على شَرشَفي الشَّتَوي.

أنا طفلٌ صَغير كلما تدثَّرتُ بشرشفٍ تِشرينيٍ أحلُمُ بِعودتكَ يا وَطَني. رَبّي وإلهي أعِدهُ لي سالماً معافى لإغسلَ عينيَّ المتعَبَتين به. أَعِدهُ كيفَما كان فَكيفَما يكون لا أكونُ مِن دونِه.

مَن لي سواكَ إلهي أدعو إليه من أمَلي. أمَلٌ أغنّجُهُ كلَّ مساءٍ حتى لا يهاجرَ هو أيضًا. أسرِّحُ ضفائَرَ هزائمي بأسنانِ مشطٍ عتيق. أحتفظُ بِهِ قطعةً أثريَّةً مِن أسواقِ بيروتَ القديمة. من جامِعٍ يؤذِّنُ الله أكبَر. من كنيسَةٍ ترتّلُ يا مريمُ البِكرُ فقتِ الشّمسَ والقَمرَ علَّكَ تستجيبُ ربّي وإلهي ليشِعَّ الهِلالُ ويسطَعَ القَمَرُ على حطامِ مدينتي الحلوة.

أنا منهَكٌ من حبِّكَ يا #لبنان. بالكاد استجمعُ نفسي المبعثَرَةَ في هذا العيد. لا تهزُّني أرجوك فكميَّةُ الدمعِ المتجمعة في قعري تكفي لرَيِّ ألفِ هكتارٍ من الأحزان. أوقَعتَني بحبائِلِ غرامِكَ وتواريتَ عن الأنظار. سأتضرَّعُ إلى الله علَّهُ يُصدِرُ مذكّرةَ توقيفٍ غيابيَّةٍ بحقّك. هَجَرتَني فهاجرتُ إلى أصقاعِ الدنيا أفتّشُ عن شيء من رائحتك.

تعذِبُّني يا لبنان منذُ ألفَي عام. من فينيقيا الى قرطاج تأخذني من حربٍ عبثيَّة إلى سلامٍ هَشّ. الوطنُ الجميلُ دائمًا تحتَ نصيبِه. يتناوبُ على حبِّهِ كل عابرِ سبيل. جمالُه قاتِلٌ. يعيشُ عزوبيَّتَه ويعذِّبُ كلَّ المغرومينَ بِهِ. زوّجْ لبنانَ يا الله بإبنِ حلالٍ وأبعِدْ عنه أولادَ الحرام.

في هذا اليومِ الذي ترتفعُ فيه صاريةُ علَمِكَ قررتُ أن أُنَكِّسَ صاريَةَ يأسي. سأُنشِدُ بكثيرٍ من الحماسةِ كلُّنا للوطن. كلَّما ظَلَمتَني يا لبنان سأحبُّك أكثَر فأنا لقيطٌ من دونِ أبوَّتِك. يتيمٌ من دونِ أُموَمَتِك. كلُّنا يا سادَتي غُبارٌ من دون ترابِ لبنان.

لكلِّ من يسأّلُني من أيِّ بلدٍ أنت أقول له الأحرى أن تسألَني من أيّ جذعِ شجرةٍ من أيِّ نبعةِ ماءٍ من أيِّ طاحونةٍ من أيِّ سنديانةٍ وساقيةٍ وزيتونةٍ وشارِعٍ وزقاق. نحنُ مواطنو عطورٍ وروائحَ وأمكنة. استفقنا ذاتَ يومٍ واكتشفنا انَّ لبنانَ أخذَ معه الأمكنةَ والأشياء. لم يعطنا فترةً تجريبية. أخذَ الأمكنةَ وعلَّقَها صورًا على حيطانِ المنافي. مَسمَرَها بالحنان وبشَّمَها بالحَنين. زوروا منازلَ اللبنانيين في كندا وأوروبا واميركا وأفريقيا وأوستراليا والعالم العربي تجدوها متاحفَ للذكرياتِ الحلوة. شيءٌ من لبنان يتنزَّهُ في مانهاتن ويغتسِلُ برذاذِ شلالات نياغارا ويتسلَّقُ برجَ إيفل ويُبحِرُ في كوينزلاند على ضفاف خليج هيرڤي. لبنان يكادُ يَكُون في كل العالم إلا في بيته. أخطفُ طيفَه اليوم وأعلنُه معتقَلًا في زنازينِ وجوهنا. من الآن وصاعدًا سينامُ معنا في الظلمة ويستيقظُ معنا في الظلمة.

أيها السادة، نظلمُ لبنان اذا قلنا إنه عذَّبَنا. نحن الذين عذَّبناه. إغفِرْ لَنا خَطايانا يا وطني. نَتوبُ إليكَ وإننا لمرَّةٍ يسامِحُنا رَبُّنا إليكَ نَتوبُ على ما قالَ الكَبيرُ مَنصور رحباني وَليَكُنْ يومنا هذا يوم التفتيشِ عنك. نحنُ ساهرون ومصابيحُنا مشتعلة ننتظرُ عودَتَكَ يشدُّ من عَزيمَتِنا صوتُ فيروز يقول: “بُكرا لما بيرجعوا الخيّالي بترجعْ يا حبيبي، بُكرا والجواهرِ الغَوالي بِشَعرَكْ يا حبيبي حُبَّكْ على بالي وسهراتْ الليالي، بُكرا لما بيرجعوا الخيّالي بترجعْ يا حبيبي.”