الرئيسية / home slide / إلى سعد الحريري: سِرّك في البطريرك الشجاع

إلى سعد الحريري: سِرّك في البطريرك الشجاع

قاسم يوسف – الأربعاء 28 تشرين الأول 2020
https://www.asasmedia.com/news/387260

لنضع كلّ شيء جانبًا. كلّ تاريخ سعد الحريري ومسيرته السياسية. كلّ كبواته. كلّ أخطائه. كلّ تسوياته. كلّ اختلافاتنا معه، سطحية كانت أم عميقة. لنضع كلّ ذلك جانبًا، ولنفتح له صفحة جديدة. تبدأ منذ لحظة إعلانه رئيسًا مكلّفًا، وتستمرّ ما استمرّ على الصراط المستقيم.

الآن انتقلنا من التكليف إلى التأليف، وثمّة عوامل كثيرة لا بدّ أن يستفيد منها الرجل للخروج بحكومة متوازنة ومقبولة. أولى هذه العوامل، هي المبادرة الفرنسية التي لا بدّ أن تُشكّل حجر زاوية الحكومة، وخارطة طريقها، ويُضاف إليها ورقتان رابحتان: الأولى تتعلّق بتشجيع أميركي مستجدّ أعقبت فتح ثغرة في عملية التفاوض حول ترسيم الحدود، والثانية تتصل بالترقّب السعودي الحذر تحت عنوان عدم الممانعة، وذلك بانتظار أن يلتزم سعد الحريري بمجموعة ثوابت محورية تتعلّق بشكل الحكومة ومهمتها وتركيبتها وبيانها الوزاري.

لا بدّ لسعد الحريري أن يُجيّر هذا الزخم الدولي الاستثنائي للضغط باتجاه تشكيل حكومة تتلاقى وتطلّعات اللبنانيين ورغبتهم الحقيقية بالوصول إلى فريق عمل متجانس وقادر على انتشال البلاد من أزماتها المستفحلة، ولا بدّ له أيضًا أن يتخذ من كلام البطريرك الماروني رافعة كبرى لتنفيذ هذا التصور وترسيخه والإصرار عليه، لا سيما لجهة دعوته الى تخطّي الشروط والشروط المضادة، وتجنّب مستنقع المصالح والمحاصصة وشهية السياسيين والطائفيين، على أساس الالتزام الحصري ببنود الدستور والميثاق، ومستلزمات الإنقاذ، وقاعدة التوازن في المداورة الشاملة وفي اختيار أصحاب الكفاءة والأهلية والولاء للوطن، حيث تقترن المعرفة بالخبرة، والاختصاص بالاستقلالية السياسية.

هذه فرصة كبيرة، بل وكبيرة جدًا، ليس للبنان واللبنانيين وحسب، بل لسعد الحريري شخصيًا، الذي يعاني من ترهّل سياسي وشعبي غير مسبوق، ومن أزمة ثقة متراكمة على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي

طريق سعد الحريري ليست معبّدة بالورود، وكرة النار التي بادر إلى حملها لن تهدأ سريعًا ولن تستكين. لكن الآفاق المتاحة لا تقلّ أبدًا عن السواد المطبق، اللهم إذا أحسن الرئيس المكلّف في إدارة المرحلة، وفي التشبّث بالحدّ الأدنى من الصلابة السياسية والدستورية، بعيدًا من التسويات العبثية، ومن الرهان المجنون على حزب الله. وإذا كان البطريرك في كلمته الاستثنائية والملفتة، قد طالب الحريري بالحذر من الاتفاقيات الثنائية السرية والوعود، لأنها تحمل في طيّاتها بذور خلافات ونزاعات على حساب نجاح الحكومة، فإننا نطالبه بالحذر نفسه، خصوصًا تجاه حزب الله وجبران باسيل، فلا خفيّ إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيُعلم ويُعلن، لأن كلّ ما قلتموه في الظلمة سيُنادى به على السطوح.

هذه فرصة كبيرة، بل وكبيرة جدًا، ليس للبنان واللبنانيين وحسب، بل لسعد الحريري شخصيًا، الذي يعاني من ترهّل سياسي وشعبي غير مسبوق، ومن أزمة ثقة متراكمة على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي، وعلى الرغم من أنّ السياسة لا تحتمل الحديث عن فرصة أخيرة، لكنها تكاد تكون كذلك بالنسبة إليه. ولذلك، فهو مطالب بتقديم تشكيلة حكومية نموذجية ومصغّرة توحي بالثقة وبالقدرة على الإنجاز واتخاذ القرارات. وفي حال انعدام التوافق السياسي عليها، فلا بأس من تقديمها لرئيس الجمهورية، وليتحمّل مسؤولية تمريرها أو إجهاضها أمام اللبنانيين والعالم.

دولة الرئيس، أرجوك، استند إلى توصية البطريرك، إلى روحيتها وصلابتها وشجاعتها، بل وحرفية ما ورد في مضمونها، وستجدنا جميعًا إلى يمينك وفي ركابك. ذلك هو خلاصنا الوحيد. ها قد بلّغت. اللهم فاشهد

ثمّة من يعتقد أنّ سعد الحريري بات يحمل مصير البلد ومصيره، وكلّ مستقبله السياسي في أصعب ظرف وأدقّ مرحلة، وهذا اعتقاد واقعي ومفهوم. ونحن إذ نضع اليوم كلّ اختلافنا جانبًا، فإنما نفعل ذلك انطلاقًا من وطنية متجذّرة، ومن رغبة حقيقية بإخراج البلاد من عنق الزجاجة، ومن الجحيم الذي بشّرنا به ميشال عون، وإذا كانت القاعدة تقول إنّ إعادة تجربة المجرّب هو ضرب من الغباء والجنون، فإننا ارتضينا أن نجرّب، ولو لمرة أخيرة، بعد سلسلة طويلة من الخيبات، وجُلّ ما نتمناه هو أن لا نُصاب مجددًا بخيبة الأمل، على الرغم من أنّ الصورة الأولى بحدّ ذاتها، صورة الرؤساء الثلاثة يجلسون جنبًا إلى جنب، أعادت استفزازنا وتذكيرنا بأن شيئًا لن يتغيّر في هذه البلاد. 

دولة الرئيس، أرجوك، استند إلى توصية البطريرك، إلى روحيتها وصلابتها وشجاعتها، بل وحرفية ما ورد في مضمونها، وستجدنا جميعًا إلى يمينك وفي ركابك. ذلك هو خلاصنا الوحيد. ها قد بلّغت. اللهم فاشهد.