الرئيسية / home slide / إلى حكومة أوهام جديدة؟

إلى حكومة أوهام جديدة؟

ركام المرفأ (نبيل اسماعيل).

عندما أعلن البطريرك بشارة الراعي قبل ايام “مذكرة لبنان والحياد”، لم يكن هناك من لا يقول ان البلاد تهبط سريعاً الى درك الدولة المفلسة الفاشلة والمهددة بمزيد من الانهيارات والتشظي السياسي العميق، ما سيقود في النهاية الى تفتيت البلد على خلفية أزمتين جذريتين :

اولاً – أزمة الاقتصاد الذي وصل الى الإفلاس، وليس من دولة تلتفت الى سرعة الإنهيار، وخصوصاً بعد كارثة العصر التي دمّرت المرفأ ونصف العاصمة بيروت، وقتلت وجرحت الآلاف ودمرت منازلهم، ووصلت خسائرها الى ما يتجاوز عشرين ملياراً من الدولارات، وأزمة الدولة الفاشلة التي باتت عاجزة حتى عن دفع رواتب ومخصصات موظفيها، وعن تلبية سياسات النهب والسرقات التي لم تتوقف حتى الآن .

ما يزيد من معالم الكارثة ان الاقتصادات العالمية تعاني بسبب جائحة كورونا، ومن جهة ثانية وهي الأهم، ان الدول باتت تربط اي مساعدة او دعم للبنان، بان تبدأ الدولة فوراً عملية إصلاح جذري شاملة ومنهجية، وهوما تطلبه فرنسا وتكرره الدول المانحة وحتى صندوق النقد الدولي، ولكن ليس هناك من يستمع او يريد ان يقوم بهذا، لأن الإصلاح الحقيقي يقضي عملياً بكنس كل هذا الطقم السياسي، وفتح صفحة جديدة تمهد لقيام الجمهورية الثالثة، لأن الجمهورية الحاضرة شبعت إفلاساً وموتاً .

ثانياً – أزمة إستحالة جمع هذا الحطام السياسي، الذي يمكن ان يتخذ قراراً مسؤولاً في البلد، والدليل ان إستقالة المفلسين في حكومة اللون الواحد، التي قصفت اللبنانيين بالأوهام والأكاذيب سبعة أشهر، وعجزت حتى عن مفاوضة صندوق النقد الدولي ومحاولة فتح بعض الأبواب المغلقة في وجهنا، جاءت مباشرة عشية كارثة تفجير العصر، ورغم هذا تبدو السلطة المسؤولة في كوكب آخر، بدليل اننا نراوح من جديد على مداخل أزمة فراغ حكومي ستطول حتماً، باتت تفرضه حال الإنقسام الجذري في البلاد .

وهكذا في بلد منكوب بإنفجار العصر، ومنكوب بأزمة إقتصادية إفلاسية متفاقمة، ومنكوب بأزمة إنغلاق في العلاقات مع الدول الصديقة والشقيقية، ومنكوب بأزمة فشل واضح في الحصول على أي دعم او مساعدة، تتكرر عملية المراوحة في الفشل، والدليل ان مرحلة الإستشارات السياسية، التي قيل سابقاً انها ضرورية لكي تسبق المشاورات النيابية الملزمة، ستراوح مكانها الى زمن طويل وسط الخلاف الجذري، على لون أي حكومة جديدة ستأتي لتلتقط خيوط الكارثة في البلد .

ان التمسك بتشكيل حكومة “وحدة وطنية” او “توافق وطني”، بات من الترهات لأنه ليس هناك أي عنصر من معالم الوحدة او التوافق وسط الإنقسام الجذري المتزايد، وان تشكيل “حكومة أقطاب” سيزيد من طين المأساة بلّة، ودون قيام حكومة حيادية من الإختصاصيين ومن خارج هذه المنظومة السياسية الفاسدة شروط ومحاذير ورفض ، وهو ما سيدفع من جديد الى الفراغ في بلد مدمر !

ولهذا يستمر الحكم ضائعاً والشعوب منكوباً، وسيعود الرئيس الفرنسي بعد عشرة ايام في بداية أيلول، ولن يجد لا حكومة اصلاح ولا مُصلحين، وهو ما سيعمّق من هوة الإنقسام المتزايدة في هذا البلد البائس، الذي لم يلتقط بعض اهله ولن يلتقطوا قط فرصة الخروج من جحيم الصراعات الإقليمية التي يشكلون وقوداً لها، الى مساحة الحياد الناشط، الذي لا يعيد لبنان الى نقطة لا شرق ولا غرب الحيادية التي نشأ عليها فحسب، بل يعطيه دوراً فريداً في ان يكون جسراً للتفاعل المفيد بين الشرق والغرب .

ولا يوازي كارثة المرفأ وكوارث الإفلاس والكورونا الا كارثة المراوحة في الفراغ بحثاً عن مدخل لتكرار تجربة حكومة أوهام جديدة ستدفع البلد أكثر الى القعر !

Rajeh.khoury@annahar.com.lb

twitter@khouryrajeh