الرئيسية / home slide / إلى أين يسافر الشعب اللبناني؟

إلى أين يسافر الشعب اللبناني؟

07-04-2021 | 00:30 المصدر: النهار

سمير عطالله

إلى أين يسافر الشعب اللبناني؟

.. فطفوا على خواء العدم، وقد مات فيهم الانتظار، انكفأوا في دائرة مفرغة وفي أفواههم طعم الرماد”.انطون غطاس كرم 

تأملتْ سيدة ليست من أصدقائنا، لوحات 17 تشرين في نقائها الأول، وشاهدت الطرق والساحات تحتشد بذوي النفوس العليّة، وشباب لبنان، وزهرة الصبايا، ووصيفات الحرية، ونبلاء اللاطائفية، تأملت في توتر، وقالت في غضبها القبيح: ماذا يريد هؤلاء؟ يوم كان الجنرال فرنكو في غيبوبته الأخيرة، صيف 1975، أفاق مرة على ضوضاء في الخارج، فسأل عن مصدرها، فقيل له إنه “الشعب الاسباني جاء يودّعك”. فاستوى في فراشه متعجباً، وسأل: “إلى أين يسافر الشعب الاسباني؟”. تتوازى النزعة الديكتاتورية عند المتبوع مع نزعة الخنوع عند الأتباع. يتلاقيان عند فكر واحد، هو سادية الحاكم ومازوشية المحكوم. ويكون قفزٌ مزدوج في توالي الانهيار. السادي والمازوشي. التفكّر عدو #الجماهير، وضرّة الدهماء. لذلك تكرر الآية “لكنهم لا يتفكرون”. ومثل الديكتاتور في ألوهيته، لا يخطر للعامة إطلاقاً احتمال الخطأ. ما أشبه الجماهير بالبركان، تظن نفسها حمماً مضيئة، وإذ تخمد، تجد أنها رماد اسود، متحجر، لا يُبنى عليه. ولا هو تراب يخصب.  تنعم الجماهير، مثل “أخو الجهالة” بحصانتها ضد المحاسبة. فهي غير مسؤولة عن شيء. رقم كبير يذوب في التاريخ، بلا تدوين أو اسماء أو سجل أو امثولة. تفور غاضبة عمياء، وتغور ساكنة صمّاء.  خرجت جماهير رومانيا تحيي نيكولا تشاوشيسكو في مهرجان مدينة تشيوارا. وفي الطريق الى ساحته، تنبهت الى ما فعل بالبلاد، فانقلبت تهتف ضده. وعندما خرج الى الشرفة المعهودة في الانظمة المشابهة، لم يكن قد أدرك ان القوم الهتّافين انقلبواعليه. فلما تبيَّن له بما يهتفون، استدار وهرب، تاركاً خلفه مجموعة من القصور، وبلداً من حطام وخراب وسجون وآلام وحسرات. كان قصر تشاوشيسكو من ألف غرفة. ومن دهليز واحد للهرب. وقد توجه سريعاً إليه. لكن الأوان كان قد فات على كل شيء. حوكم، وحوكمت هيلانته ذات الفراء الثوري. وانقلب عليه معاونوه، وتسلّم السلطة اقرب الناس اليه. واحد من اليواضسة الذين كانوا ينحنون له، كلما تراءت الذات السماوية لأهل البلاد. أين ذهب المصفقون؟ أين مضى الخلصاء المقسِمون أيْماناً مغلظة؟ أين اختفى المخبرون وكتّاب التقارير؟ الخيانة لا تكون عظمى فقط، بل جماعية ايضاً. قصة يوضاس تتكرر في كل الحقائق والأساطير. تجدها في رواية امين معلوف، “حدائق النور” عن الطائفة “المانوية” في العراق، 300 سنة قبل المسيح. المشكلة ان الديكتاتور يدخل أو يخرج من التاريخ بطرق كثيرة. لكن ماذا عن جماهيره؟ مَن يحاكمها؟ من يلقّنها دروس المشانق والمقاصل ومنصات الاعدام التي هتفت لها؟ نجا دوستويفسكي، اعظم روائيي العالم، قبل ثوانٍ فقط من الاعدام بالرصاص، زمن القيصر. تصوَّر لو ان أمر العفو وصل متأخراً: لكانت روسيا خلواً من جوهرة الاسماء، والعالم خلواً من ملوكية السرد.https://imasdk.googleapis.com/js/core/bridge3.448.1_ar.html#goog_972493118Volume 0%  “تفاهة الشر”، سمّت حنة ارندت، الغرق الجماعي في لؤم السياسات. أو  “مسيرة الحماقة”، كما سمّتها الاميركية بربارة تالمان، وهي تروي قصة الحروب، من طروادة الى فيتنام. ألا ترى ان الجماهير في مسيرة دائمة نحو القتل والدمار والهلاك؟ ألا ترى ان كل ديكتاتور أراد ان يبيد كل ما سبق، من اجل ان يبني بناءه المثالي؟ دعك من الايديولوجيات التي اتبعوها ورفعوها راية يجرون خلفها القطعان. فهي جميعاً ايديولوجيات متعادية: ستالين والشيوعية، ماو والماوية، هتلر والنازية، موسوليني والفاشية. وفرانكو. لا تنسَ فرانكو، وإلى أين يسافر الشعب الاسباني. بلغ التألّه العدمي قمته في بول بوت، زعيم الخمير الحمر، الذي دمر بنوم بنه وجعلها متحفاً للجماجم، التي سيبني فوقها كمبوديا النموذجية الجديدة. 3 ملايين قتيل. توفي بول بوت فوق سرير حديدي صغير، اثر نوبة قلبية، تاركاً خلفه اكبر بلد في استخدام الاطراف الاصطناعية، واكبر واضخم المتاحف العظامية والمقابر الجماعية. وفي مقابل كل هؤلاء الضحايا لم يقدَّم الى المحاكمة إلا نحو عشرة من اعوانه. يسهل للقاتل ان يكون قاتلاً جماعياً، لكن يستحيل ان تحاكم الجماعات عن مسؤوليتها وشراكتها في الجرم. لذلك، تطمئن الجماهير بخبث الى حصانة التفاهة. يبيعها الشعبوي خداعاً ومخدرات ومهيّجات، وعندما تُكتشف الخدعة، يهربان، كل من طريق، ولكن بعد أن يكونا قد تشاركا في مهرجان الرماد والدماء. تتأمل الاديبة نجوى بركات مشهد هذه الأمة وتكتب (العربي الجديد): “ايها الاخوة، صدقوا ان لا عزاء. فما مضى لن يستعاد. وما تبقّى ليس اكثر من كسرة خبز متعفنة في عمق دُرج خاوٍ، لا تغني ولا تزيد (…) ايها الاخوة تقبّلوا أن لا عزاء لأن الخديعة هي المخدع، والمرارة هي اللحاف. لا تنظروا الى سماء هذه البلاد فليس فيها رجاء، ولا تخاطبوا ارضها فهي الهوة والمصيبة (…) ونحن مكشوفون امام غزاة ومرتزقة يشحذون نصالهم على مرأى منا. المعدن يلمع تحت شمس حارقة، والخيول مبقورة البطون ملقية على جوانبها تلفظ أنفاسها الأخيرة. والدم، يا إلهي، كم هو كثير”. وكم اخجل امام هذا النص الهوميري، وافراسه الملحمية. نصوص كبرى وجماعات ضئيلة الروح، دنيئة القلوب وممتلئة ضحالة. إننا لا نخجل بسياسيينا، بل بشعوبنا. بلاء شديد ان يكون البلاء الأصلي في الجماعات، جماعات جامحة بلا تفكّر، تدمر كل ما بُني في ما مضى، وترمّد كل ارض تبنى، أو تخصب. قالت انديرا غاندي، زعيمة 600 مليون هندي: اشرف لنا ان نموت جوعاً من ان نعيش أمّة متسولين. هذه سيدة كانت ابنة نهرو، ورفيقة المهاتما، وربيبة الثقافات الألى. عندما جلا الانكليز، قيل إن الديموقراطية لن تعيش بعدهم عاماً واحداً. ثمانية عقود والهند اكبر ديموقراطية في العالم. فقراء ومنبوذون وساكنون في الشوارع والعراء والحقول. وديموقراطيون. دولة ودستور وانتخابات وحكومة يختارها البرلمان. ورئيس دولة يراقب من بعيد ان الاخلاق الديموقراطية لا تُهتك، والقيَم البرلمانية لا تُداس. اصبحوا ملياراً اليوم: اضخم طبقة وسطى في العالم. ووادي سيليكون في معظم الولايات. ولم يعد مليوناً عدد الذين ينامون في ساحة من كولكاتا. روت الصحافية الايطالية اوريانا فالاتشي، انها نسيت بعض الاوراق في منزل انديرا غاندي، فعادت في اليوم التالي، وقرعت الجرس، ففتح لها السكرتير. وسمعت انديرا اصواتاً عند الباب فجاءت بنفسها وقالت للزائرة المفاجئة: آه، هذه انت. إنه افضل وقت لفنجان شاي. تقول فالاتشي ان بيت انديرا العائلي كان ابسط البيوت.لا تعيد المحاكم الدولية ملايين الارواح، ولا تعوِّض اقبية التعذيب، ولا تبعث الدفء في جليد سيبيريا. لكنها تذكّر ابناء الضحايا وابناء الجلادين “بأن التاريخ هو الحياة” كما قالت انديرا.  يموت رجاله، أما هو فذاكرة بلا نهاية. وعلى بوابته لوحتان: اهل القيم، وأهل السقوط. لا وجود لمطهر، أو برزخ، في هذه المسألة. الجماهير سراب الحاكم وهو عماؤها. يمارس عليها الغش وتمارس عليه الخداع. تغلبه انانيته، وتغلبها غريزة التخلي والانكار. هي هنا اليوم وغداً ليست هنا. غداً هي في تشيوارا، تهتف اول المسيرة للزعيم نيكولاي، وفي آخرها تطالب بشنقه. الزعماء يتغيرون في البلدان وفي الزمان، أما الجماعات فحالة واحدة. واليوضاسية القائمة على شبق الخيانة ولذة الفضة، ليست حالة فردية بل ظاهرة جماعية. فان يكن الاسخريوطي قد عقد صفقته في الظلام، فإن الجماعات هتفت اصلبوه في العلن. وفي العلن طلبت العفو عن لص الشمال وهتفت له. يقول الرئيس شارل حلو في مذكراته، إنه يوم تطلّع وشاهد نفراً من مائة الف رجل في مسيرة الفدائي عز الدين الجمل ضد الدولة، خطر له ان يعلن قرار التقسيم. ولو عاش سنوات اخرى، لرأى في قمة بيروت العربية، الرئيس اميل لحود يمنع الرئيس ياسر عرفات من مخاطبة القمة (وليس فقط من حضورها) بداعي خلل طرأ على القمر الاصطناعي في الشبانية. لا ارسال ولا استقبال. ويا قمر صنين بالعلالي يا قمر… أين تذوب الجماهير؟ وكيف تلحق بها وهي مولّية؟ كم تبدلت علينا الوجوه واللهجات والاصوات في هذه الساحات. “تلك ايام نداولها بين الناس” يقول الذكر الحكيم. لعلكم تتفكرون. لكن اكثرية الناس لا يعقلون. مزيج من الخبث والسذاجة. ولا لوم عليهم ولا تثريب. ما عليهم عند الفاجعة، سوى أن يديروا ظهورهم للذين كانوا يتبعونهم بالأمس الى الخراب، ويصفقون لهم في مهرجانات الخواء وكرنفالات البلاد. الذين يسبحون اليوم في هذا المستنقع الرهيب هم من اختار الذين حشروهم فيه. ولن يخرجوا منه. فالمسألة تتطلب وعياً وعقلاً، و”العالم ليس عقلاً” كما قال عبد الله القصيمي.  ثمة ميزان واحد يحكم هذا العالم، ولم يُكتشف له بديل او رديف، حتى الآن: #الأخلاق. وإن حال الفرد في ذلك مثل حال الجماعة. يستحيل ان تفرط الأخلاق ويبقى شيء قائماً. لا شيء. لا عائلة ولا وطن ولا قانون ولا دولة. كان شبابنا في الماضي يهاجرون وهم يبكون على البلد الذي يتركون. اليوم لا يتطلعون خلفهم. وما دامت كلمة حنين مأخوذة من حياة الجِمال فاتركوا الحنين للبعائر. هم أحقّ بالمشاعر من الجماهير التي لا تعرف معنى #الانسان ومعاني الأرض. الكلمات الدالةالأخلاقالهجرةالانسانالجماهيرالثورة