الرئيسية / مقالات / إلى أهل الحكم والنظام… هل تعرفون أصل المشكلة؟

إلى أهل الحكم والنظام… هل تعرفون أصل المشكلة؟


ابراهيم حيدر
23 كانون الأول 2017

لا تقتنع غالبية اللبنانيين بأن التسوية السياسية الجديدة لن تهتز عند أي منعطف محلي أو إقليمي خطير. كأن تشتعل المواقف مثلاً بين السعودية وإيران، أو تتطور الأوضاع في سوريا إلى حد لا يمكن لـ”حزب الله” مثلاً السكوت أو عدم الاكتراث، أو حصلت تطورات ميدانية على الحدود اللبنانية الفلسطينية، فيصبح عندها “الناي بالنفس” في خبر كان. وكذلك قد يرفع تيار “المستقبل” سقف مواقفه اذا فعلت التطورات العربية والإقليمية فعلها. وقد تعود الاصطفافات السياسية إذا قرر أحد المكونات السياسية في النظام، وهو الذي يجمع المتناقضات التي انخرطت في التسوية، أن يخرج بعد ضغوط إقليمية اشتراطاً لموقف سياسي وتصعيداً لأهداف لا علاقة لها بالوطنية اللبنانية، عندها سيخرج آخرون للإعلان عن موقف مغاير لتعود المشكلة الى نقطة الصفر.

الخرق والاحتمالات

ليس احتمال خرق “النأي بالنفس” مطلقاً، فقد لا يحصل ذلك خلال الأشهر القليلة التي تفصل اللبنانيين عن الإنتخابات النيابية، وقد يحصل الخرق أيضاً في حدود معينة لكنه لا يؤثر على التسوية، إنما كل التجارب السابقة تؤكد أن التسويات التي لا تقوم على أرضية صلبة تؤسس لاستمرار النظام ومؤسسات الدولة مصيرها الفشل، وهو الأمر الذي شهدنا وقائعه بوضوح بعد التسوية الأولى التي أتت بالعماد ميشال عون رئيساً وأنتجت حكومة متناقضات في السياسة ينظم خلافاتها رئيس الجمهورية،من دون أن يتمكن إلى اليوم أن يكون حكماً، ليس بسبب موقعه انما نتيجة التركيبة التي وزعت صلاحيات للطوائف وللرئاسات، وأدت بالتالي إلى أن تصنف الرئاسة الأولى طرفاً، مرة مع هذا الاتجاه، وأخرى مع الطرف الآخر، لتتشابك الملفات ويصبح موضوع “النأي” على الطاولة، من دون أن يتمكن أحد من القول أنه يستطيع تحصينه مع التسوية أو ضمانة أن لبنان دخل فعلاً مرحلة الاستقرار، أو هو على شفير مرحلة انتقالية لا نعرف الى أين تأخذ البلد.

لا شك في أن هذه المرحلة الانتقالية، اذا كانت تقوم على التسوية الجديدة، فإنها تحتاج الى الكثير ليصبح البلد حصيناً ومناعته وطنية وعصية على التأثير الخارجي، مهما كانت مرجعيته. فإذا كان لبنان يراهن منذ الآن على مؤتمرات لتثبيت شروط التسوية القائمة على النأي بالنفس، فإن ذلك لا يكفي لأن التسوية معرضة دائماً للاهتزاز، وعليه، لا يمكن أن يكون قرار الانقاذ أو السير به يستند ببساطة الى مؤتمر باريس 4، خصوصاً إذا كانت الأمور لم تتبلور في شكل نهائي بعد، فلا يتمكن لبنان من معالجة كل المشكلات التي تقف في طريق تأمين دعمه مالياً واقتصادياً وسياسياً وتحصين استقراره. فتثبيت التسوية السياسية يلزمه أكثر من موقف وإجراء، خصوصاً إذا كانت الانطلاقة المرتقبة للحكم في السنة الجديدة تهدف الى تعزيز الاستقرار اللبناني بالدرجة الأولى، إذ أن التزام النأي لا يكفي لمجرد اعلان من القوى السياسية الممثلة في السلطة، طالما أن أي اهتزازات محلية واقليمية قد تعيد الأمور الى نقطة الصفر. وهذه الانطلاقة التي تستند الى التسوية الجديدة بعد تجاوز ملابسات “استقالة الحريري” تحتاج الى الفصل بين المتناقضات السياسية بدور يضطلع به رئيس الجمهورية من موقع الحَكَم والمرجعية، بعيداً من الاصطفافات التي تعرض البلد للأزمات، وبعيداً أيضاً من الإنحياز، علماً أن الخلافات بين الطوائف وصلاحياتها تفرّخ على الدوام ملفات قد تؤدي الى أزمات، كما حصل مع مرسوم دورة 1994 أخيراً.

تبسيط الرهانات

اذا كانت التسوية الجديدة تسعى الى نقل البلد الى مرحلة من الاستقرار، فإن الأمور ليست بالتبسيط الذي يتحدث فقط عن الإنجازات، قبل أن نقول إن هناك أزمة حكم مستمرة، أو أزمة نظام تظهر مشكلاته عند حدوث أزمات اقليمية، وإلا ما الذي يعنيه شعار “النأي بالنفس”! هذه الصورة التي نشهد وقائعها اليوم أيضاً في الحكم، تعكس ممارسته بالتنسيق بين مجموعة تناقضات سياسية وطائفية، وخيارات مختلفة وحسابات ومصالح، لا يجمعها إلا المشاركة في النظام، علماً أن البرامج السياسية الواضحة في مقاربة المستقبل اللبناني في منطقة مشتعلة، تغيب لمصلحة سياسات لها أكثر من بعد اقليمي. فبغياب البرامج السياسية، يتراجع النقاش إلى مستوى القوى التي تخوض غماره، فتقرر في شأنه وتحدد صفاته، وترسم أفكارها وتقسم معالمه، وفقاً لحساباتها.

كل الوقائع تشير إلى أن لبنان الذي يراهن مثلاً على مؤتمر باريس 4 أو بيروت 1 اذا انعقد المؤتمر في لبنان، أن الحكم لا يستطيع أن يكون وسطياً بين طرفين تصارعا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، فيخرج من يقول أن الحكم يدرج في دائرة قوى الممانعة، طالما أن السياسة الخارجية تدور في فلكها، علماً ان الاستقرار لم ينجز في البلد حيث الملفات العالقة بين الطوائف والقوى السياسية لم تحسم نهائياً على مقلبي 8 و14 أذار. لذا تبقى الأسئلة مطروحة عن الرئيس الحَكَم بين اللبنانيين، وعن معنى أن يكون هناك حكام آخرون في التركيب اللبناني السياسي والطائفي. هذا يعني أن موقع الرئاسة يستمر حتى الآن في دائرة التنسيق بين التناقضات اللبنانية، ولم يتحول الى موقع الحكم.فواقع التركيب الثلاثي للحكم وفق الطوائف الكبرى اليوم يعيدنا الى تركيب الطائف، مع تعديلات لا تزال تعطي الشيعية السياسية دوراً أكبر وقدرة على التأثير في مسار التوازنات الداخلية، علماً أن المقررين وفق الطائف لن يتنازلوا عن صلاحياتهم، بل هم في الأساس لا يعطون موقع الرئاسة الأولى حق الكلمة النهائية أو الكلمة الفاصلة المنطلقة من موقع وطني لبناني عام.

جرعات دعم مشروطة

وبينما يسعى لبنان لتأمين جرعات دعم دولية جديدة من خلال مؤتمر باريس 4، فإنه لا يستطيع ترتيب أوراقه السياسية في ظل الصراعات الإقليمية والدولية المستمرة في المنطقة، وهو لا يستطيع أن يعرف طبيعة المشاركه العربية والدولية في المؤتمر، فكيف يراهن على الخروج من الأزمات بإقفال البحث بها أولاً، والتسرع في الرهان؟ اذا اصطدمت الأمور بتطورات سياسية محلية واقليمية ودولية قد تمنع استضافة لبنان للمؤتمر، أو قد توقف انعقاده في باريس، وقد تتمنع دول عدة عن حضوره مشترطة مواقف لبنانية لا تقف عند حدود “النأي بالنفس” بل مشترطة أيضاً مواقف من المحاور التي تتصارع في المنطقة.

يبدو المشهد اللبناني استمراراً لرسم الحدود والصلاحيات وفق قانون الطوائف، وسط العواصف الاقليمية والدولية واستقطاباتها. هذا يعني أننا نعيش في أزمة حكم ونظام!

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

twitter: @ihaidar62

اضف رد