الرئيسية / home slide / إلى أصدقائي المسلمين…

إلى أصدقائي المسلمين…

31-10-2020 | 11:06 المصدر: مارك زبال – دكتور وباحث اكاديمي
جريدة النهار

تظاهرة قصر الصنوبر (تصوير نبيل اسماعيل)

مارك زبال – دكتور وباحث اكاديمي  “الكل يرى في التسامح فكرة جميلة، الى أن يُطلب منه أن يُسامح” – كليف ستيبلز لويس.
في بلد مزقته الطوائف والحروب الوجودية، أنا المسيحي المشرقي عايشت المسلمين، كما معظم اللبنانيين، لدي اطلاع بالقدر الكافي على #الدين الإسلامي لكي أكتب لهم اليوم ما أعرفه وما عايشته من ذكريات وصداقات، بخاصة بعد ما حدث وما سيحدث من رسوم مسيئة للنبي محمد، وبعد سلسلة الأحداث في أوروبا مستشهداً بكلام أصدقائي وأحبائي من المسلمين ومتسلحاً بإيماني المسيحي وفي الختام راسماً صورة الدفاع عن النبي.الرسوم مسيئة من وجهة نظر إسلامية. انما من وجهة نظر فرنسية أوروبية هي الحرية بعينها، وهنا يكمن الخلاف، بالنسبة للإنسان المسلم المؤمن: النبي محمد هو صورة بهية يُمنع رسمها أو التجديف بها، أما بالنسبة للقانون الفرنسي: فحرية التعبير هي المقدسة والدولة مدنية لا تتبع ديناً أو شريعة إنما قوانين مدنية.الأمر معكوس في بعض الدول الإسلامية حيث الشريعة الإسلامية هي القانون: فلا يسمح للمرأة لأي ديانة انتمت أن تتنقل في العلن من دون حجاب الرأس… مع تهميش مطلق لقانون مدني موحد للأحوال الشخصية.كل دولة لها كيانها وقوانينها، فإن كنت ملحداً لن تستطيع العيش بسلام في دولة تعتنق الشريعة الإسلامية طريقة حياة، وإن كنت متديناً ومؤمناً لن تستطيع العيش بسلام في دول تعتنق أنظمة مدنية.لكن ماذا عن مسلمي الجيل الثاني والثالث في دول مدنية أوروبية أو من المنطلق عينه: المسيحيون واليهود المؤمنون في هذه الدول؟فهم أيضاً يعانون من الإساءة خصوصاً باستهداف عقيدتهم برسوم كاريكاتورية تمس شعائرهم الدينية وقدسية السيد المسيح والنبي موسى…ولكن لماذا هذا الغضب الإسلامي؟ ولماذا التجنّي والتحريض المستمر من الصحيفة الفرنسية نفسها؟الغضب الإسلامي، وهنا نركز على نقطتين :الغضب الديني والغضب الاجتماعي. في الشق الديني: الآية الأكثر تداولاً في منصات التواصل الاجتماعي هي:إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا.وهنا السؤال: هذا كلام الله ووعده فلا دخل للإنسان بتعجيل حكم الله، الله وحده المسؤول والديّان والحاكم وليس من اختصاص ابن أدم أن يُحرّم او يُحلل أو يُنزل القصاص المناسب. بالمناسبة، هذه تعاليم الديانات السماوية كافة وأسسها. أما بالنسبة إلى الغضب الشعبي أو الاجتماعي: فيحمل هذا السرّ في طياته عوامل عدّة، أهمها اولاً: فشل الدول الإسلامية في تقديم النموذج المتطور إقتصادياً وثقافياً وليبرالياً إسوةً بالدول الغربية، لذلك تبقى هجرة الشباب المسلم الى دول الغرب حلم يراودهم مدى العمر طلباً لحياة آمنة ومستقبل اقتصادي ميسور.ثانياً: تاريخ الاستعمار الغربي الذي اضطلع بدور سلبي في بناء تلك المجتمعات والذي أعاد معه الى الغرب نسبة لا بأس بها من المهاجرين.ثالثاً: فتح باب الهجرة لإعادة إعمار أوروبا المدمرة بعد الحرب العالمية الثانية.رابعاً: الهجرة غير الشرعية بعد حرب العراق وسوريا وجحافل المهاجرين الأفارقة الذين ينطلقون من شواطىء المغرب العربي وبخاصة بعد سقوط القذافي.هذه بعض الأسباب التي أدت الى الارتفاع الحاد في أعداد المهاجرين المسلمين في أوروبا، من دون ان ننسى ان التمييز الطائفي والعرقي والإثني هو الدافع الأكبر للهبّة الشعبية الغاضبة رداً على الرسوم المسيئة ولا شك في أن هذا التمييز هو السبب الرئيس لعدم اندماج الجاليات المسلمة في المجتمعات الغربية المضيفة.واذا عدنا بالزمن قليلاً، لا يمكن الا ان نذكر أحداث 11 أيلول التي كان لها الأثر الأكبر في شيطنة المسلمين في أوروبا والمجتمعات الغربية. على أثر هذه التفجيرات تعافت تيارات وأحزاب يمينية متطرفة شبيهة بتلك الأحزاب الفاشية إبان الحرب العالمية الثانية وهذا ما كتب عنه الأستاذ الجامعي والباحث فابيو بيروكو في بحثه عن “الإسلاموفوبيا في أوروبا لمكافحة المهاجرين، الجذور الاجتماعية والآليات والجهات الفاعلة”….فكل هذه الأسباب والأحداث خلّفت الخوف من المستقبل لكلا الطرفين، تفجر شعبي بسبب رسم كاريكاتوري يليه شغب وعمليات قتل لآمنين في الكنائس..إذاً، الأزمة هي أزمة خوف.خوف وقلق بعض رجال الدين المسلمين من تكرار ما حدث مع يهود أوروبا، حين بدأت الرسومات الكاريكاتورية المناهضة لليهود. تلك الرسومات مهدت وقتذاك لكره شعبي تجاه اليهود وصولاً الى الحرب العالمية الثانية والمحرقة.وخوف أيضاً من المتدينين بأن تكون تلك الرسومات بداية مسيرة تحررية دينية قد تنهي تسلطهم (أي رجال الدين) على الحياة الاجتماعية والسياسية في بلدانهم الأم. كما قد تفيد بعض السياسيين من كلا الطرفين لاستثمار هذه الأحداث لشدّ العصب الطائفي عند ناخبيهم باسم المحافظة على الدين من جهة أو المحافظة على قيم الجمهورية ومدنية الدولة من جهة أخرى.
بالعودة إلى #فرنسا، كثر ينظرون الى هذا البلد كبلد مسيحي، وهنا الخطأ. فلفرنسا، وبعض الدول الأوروبية، “ديانة” لا تنتمي الى أي من الديانات السماوية وهي “العلمانية”؛ فمن منظورنا الشرقي قد لا تكون “ديانة” بالمعنى التقليدي لنعتنقها ونعيش بحسب تعاليمها ولكن المواطن الفرنسي هذه ديانته وهو اعتنقها عن حب ومعرفة وهذا حق له.هذه بلادهم تماماً كما نعتبر الشرق موطننا. وتبقى تلك الصورة التي رسمها لي أصدقائي المسلمون وهي صورة النبي محمد عائداً الى مكة رافضاً قتل وذبح من قاتله ومن خلال هذه الصورة أردد في عقلي “لا إكراه في الدين” وأُرنم في قلبي “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير”، مسامحاً بابتسامتي من أساء الى النبي طالباً من الله تعالى التسامح وداعياً دوماً الى الحوار والمحبة.