الرئيسية / home slide / إلفة… لا تعايش

إلفة… لا تعايش

18-05-2022 | 00:40 المصدر: “النهار

سمير عطالله

تعبيرية (حسام شبارو).

قبل أي شيء، يقتضي الواجب المهني والأخلاقي، أن أعتذر من كل #لبناني الحقت به تهمة الخمول النفسي والالتزام التبعي والتزلّم التاريخي. لا شيء عنده أهم من نداء الحرية مهما صعُب أو بعُد. 15 أيار كان شيئاً مثل فرسان الكسندر دوماس: يعبرون المسافات ويستلّون السيوف ويدافعون عن المظلومين والضعفاء وينقذون المضطهدين والمغلوبين من الأسر. لا حاجة الى التفاصيل، ليس هناك منتصر ولا ضرورة لذلك. الانتصار يعني وجود هزيمة ايضاً. وليس هذا وقتها. هذا وقت القراءة في رغبة اللبنانيين وفي سلوك سياسييهم. وقت العودة الى البلد والوعي والحياة ووحدة المصير.

دائماً تصير الاشياء هكذا: الوردة تربح والشوك ينبت بعيداً، وتعود القوة هي قوة الالفة والدعة والتواضع، وقوة النيّات الحسنة وآداب السوية وأخلاق التعامل. القوة الوحيدة عبر الازمنة والعصور كانت قوة الحكمة والعقل. أما الجمباز والملاكمة والمصارعة الحرة فهي قوة العضلات وشبق الهتاف.

انظر الى ما يحدث على مسرح اوكرانيا: شيء مثل الرسوم المتحركة وميكي ماوس. أقوى رجال الأرض يخسر هيبته أمام مهرّج محلّي. يذكّرنا فولودومير زيلينسكي بالبحّار بوباي وغليونه. وجبة سبانخ مليئة حديداً ويصبح قرب الحدود الروسية. يفرك بوتين اوكرانيا فركاً تحت إبهامه لكنه لا ينتصر. هل تدري لماذا؟ لأنه – بسبب علّة المهنة – يقرأ التقارير لا التاريخ. وتكون نتيجة هذه العادة السيئة، هذه النتائج السيئة.

لأن الذين يرفعونها الى صاحب المكان الأعلى، لا يجرؤون ابداً على إخباره بالحقيقة. دخل صدام حسين الكويت مقتنعاً بأن الكويتيين سوف يخلونها له. ودخل جورج بوش بغداد معتقداً ان العراقيين سوف يكونون في انتظاره على الجانبين. في فورة القوة ينسى صاحبها نقطة جوهرية: كرامة الشعوب. عندما هاجم هتلر بريطانيا نسي في لحظة انها عمّال ومحافظون. وفي لحظة الوحدة نسي الالمان انهم شرق وغرب. القومية التي يندد بها بوتين كل يوم لم تمحها الشيوعية من النفوس. لا تزال الوتر الأقوى بين الشعوب. حتى الوتر الديني الذي عجز عن الجمع بين الاوكرانيين والروس.

من حرب بوتين الكبرى الى انتخابات لبنان، دروس كثيرة في مفاهيم القوة. أين هي القوة في اطلاق اكبر ترسانة سلاح على المدن والبلدان والمصادر والموارد والشعوب من اجل كرامة الرئيس؟ هل الآخرون جميعاً بلا كرامات؟ عندما رفع “التيار” شعار القوة، ففي وجه مَن وعلى مَن؟ عندما تجعل القوة مقياساً بين الأهالي، تفيق لترى نفسك أمام المسيحي القوي. هو غياث يزبك وملحم خلف وملحم رياشي والياس جراده ونائبتنا المذهلة في جزين غادة ايوب، التي غيرت شكل التمثال الكاثوليكي الصامت في المنطقة. وكان مرشحا “التيار” من القوة بحيث أطاحا بعضهما بعضا. وتدل هذه الوجوه المشرقة والمؤدّبة التي ظهرت على شاشة الفوز الراقي أننا لن نسمع بعد الآن لغة التراشق.

وسوف نفتقد وجوهاً برلمانية طبعت الحياة النيابية. خطب ايلي الفرزلي وتصريحاته ولغته، ميرابو المجلس بلا جدال. وأنا شخصياً سوف افتقد بكل صدق الدكتور ماريو عون، الوجه الحزبي الوحيد الضحوك، اضافة الى موهبته النادرة في تحديد هوية الحرائق. وسرت شائعة انه كان ينوي اصدار مؤلف بعنوان “علم الحرائق في مذهب المناطق”. لكن المؤسف انه مُنع من الترشح لكي لا تخفف طيبته من صلابة الصمود الانتخابي في وجه اميركا واسرائيل.

عاد الكثير من الأوادم الى المجلس، ومؤسف ان نخسر بعضهم. وفي جزين خسرنا، عائلتي وأنا، أداء واخلاق ابراهيم عازار. لكننا نأمل بالسادة الجدد. ونأمل خصوصاً ان تمثل غادة ايوب المرأة المنسية في كل مكان. وليس فقط في منطقتنا.

برغم كل “العناصر”، رفعت قوى التغيير علمها: شباب وعِلم وخلق. وراية مدنية. وهذه ليست بداية ولا منطلقاً. هذه عودة الى الينابيع، الى الجمهورية والدستور والحرية. التغيير هنا هو العودة الى البديل الأصيل ، ومن الزيف الى الحقيقة، ومن صاحب الشعار الى صاحب الأرض.
لبنان في حاجة الى مصالحة لا الى توافق، إلى إلفة لا الى تعايش، الى مَن يعلّيه لا إلى مَن يعتليه.