إلا في حالة المرض

سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية
الشرق الأوسط
13072019

رفض الفنان مارسيل خليفة أن يعزف النشيد اللبناني في افتتاح حفله السنوي في بعلبك (راجع سوسن الأبطح وحسام عيتاني، الخميس). وعثر اللبنانيون على موضوع آخر لفائض الانقسام. وانقسمتُ أنا أيضاً على نفسي: هل كارثة ألا يُحترم النشيد الوطني في بلد لا يحترم في الأصل الدستور والقوانين وأصول الخطاب الاجتماعي والسياسي وأرواح البشر على الطرقات، ويوالي أهله جميع الأمم والدول إلاّ لبنان؟
قبل يومين أيضاً، في برلين، خرق الدستور الألماني للمرة الأولى في التاريخ، عندما عزف النشيد الوطني والمستشارة أنجيلا ميركل جالسة. ولكنها طلبت الإذن في ذلك من الشعب والدولة لأنها تعاني من نوبات ارتعاش، لم يُحدد سببها إلى الآن.
مقارنة بين ألمانيا ولبنان؟ دعك من المزاح. إنما أردت القول إنه عندما يكون التسيب الوطني عاماً، تصبح مسألة النشيد تفصيلاً هامشياً مثل كل شيء آخر. وللفنان مارسيل خليفة، القادم من ماض يساري، رؤيته إلى لبنان. وبالتالي، موقفه. ويبدو أن هذا الموقف يمتد إلى «كلنا للوطن» باعتبار أن «كلنا» جمع غير سالم. أو غير سليم. وهو يرفض أن يطلق الألفاظ اعتباطاً.
هل الرفض إذن، صورة من التعبير وحرية الرأي؟ طبعاً. وقبل خمسين عاماً من مارسيل خليفة كتب الشاعر المتمرد أنسي الحاج: «غداً يعزفون النشيد الوطني ونحن جالسون». فإذا به غداً لا يعزف حتى، مع أن صاحب الحفل عواد وعوده رنان، على ما غنت فيروز لزياد: «عودك، عودك رنان، سمعني العود يا علي، وعيدا كمان».
في المرة المقبلة، أتمنى على الأستاذ خليفة، أن يعزف النشيد الوطني، خصوصاً إذا كان الحفل تحت أعمدة بعلبك الرومانية. فالغضب من السياسات التافهة، والسياسيين التافهين، لا يعطينا الحق في أن نستتفه الأرض ورموزها وأناشيدها. فهذا ما يريده كارهو هذا الوطن العجيب، الذي تغرز في صدره جميع أعلام الأرض ويظل راضياً بنا. ونرفض نشيده، ويظل قابلاً بنا. ونمجد كارهيه، فيتظاهر بأنه لم يسمع ولم يرَ.
حاولت كاتبتنا سوسن الأبطح والزميل حسام عيتاني «فلسفة» موقف المغني السياسي. هذا رأي نخبوي. بالنسبة إلى مواطن عادي مثلي، لو كنت في بعلبك كنت طلبت الشرطة الوطنية وأقنعتها بوقف الحفل إلى أن يتراجع خليفة عن موقفه. وذلك لسبب فني مجرد، هو أن النشيد الوطني أحلى من جميع الأغاني. «عيدا كمان».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*