الرئيسية / مقالات / إلا ذا…

إلا ذا…

المسيحيون في لبنان ليسوا بخير. يحققون باحتراف نبوءة “مونتسكيو” حول “أسباب انحطاط الرومان”. ينتحِرون جماعات وفرادى بأشكال متعددة. مشهدهم أكثر إيلاماً من الوفاة الجماعية للحيتان الزرقاء على سواحل ايسلندا. أكثر هولاً من الإنتحار الجماعي لأتباع القسّ جيم جونز مؤسس “معبد الشعوب” في أدغال غيانا.

ينتحر المسيحيون بالمدافع الثقيلة حيناً وبسياسة الخفّة أحياناً أخرى. حروبهم صغيرة جداً في منطقة تشهد حروباً كبيرة جداً. في تلقيم حشوات المدافع أخطأوا بالإحداثيات. قصفوا حلفاءهم في الحرب الأهلية. أنفسهم في السلم الأهلي. ولا مرة نَيشَنوا باتجاه العدو الحقيقي. في السياسة أخطأوا في الحسبان والحسابات. تحالفاتهم مشوبة دائماً بالتوجّس. التوجّس بند غير مرئي في كل اتفاقاتهم. اتفاق معراب نموذجاً.

برغم قتالهم الأخوي يحرصون على الوجود المسيحي. كلٌ من منظاره. مسيحيّون سُنّة لا ينقصهم سوى زيارة الأعتاب المقدّسة وحَجيج العُمرَة. مسيحيون شيعة لا ينقصهم سوى الوليّ الفقيه. لم تتعلّم المارونية السياسية شيئاً يُذْكَر من الحرب. مستعدّة لخوض حرب جديدة على خلفية الأسباب نفسها. لا ينقصها سوى ميزانية حرب. تراهن على 1400 سنة صراع بين أبي طالب وأبي سِفيان. صراع الشيعة والسنّة مصدر اطمئنان للزعماء المسيحيين. يُصَلُّون من أجل استعاره ليجدوا لهم مهمة في المشرق: جسر التواصل. تستهويهم مهمة الجسر وجسورهم مقطوعة.

الويل لهم إذا قرّرت خير أمة أُخرِجت للناس إعتماد التعداد ومعيار الإنجاب. ستكون مرتبتهم في آخِرِ الخيل. الويل لهم إذا تباهوا بالنوعية. وجه الصحّارة سيشيحُ عنهم. توقّفوا عن الإنجاب منذ عقود. ذريّتهم الجديدة لا تحمل أي جينات وراثية من يواكيم مبارك. من جرمانوس فرحات وبطرس التولاوي وبطرس البستاني وفرح أنطون وشبلي الشميّل. الجينات الجديدة أقرب إلى بيار حشّاش مع الإعتراف بظرفه. أحزابهم أشبَه بقداديس شكر لزعماء طوباويين. ممثلوهم في الوظائف العامة خرّيجو مجلس خدمة “بدنيّة”. عضلات مفتولة في خدمة أولوياء نعمة. كلّ منظّريهم الجدد أتباع “فرنسيس يوكوهاما”. هو أنهى التاريخ. هم يُنهون تاريخهم. إلا إذا.

خارج صوت الإصطفاف يكاد لا يُسمَعُ للمسيحيين في لبنان أي صوت. البطاقة الحزبية الهجينة مشروعهم القومي. خريطة طريقهم. يتقاتلون على قاضٍ أو نقيب أو عضو مجلس إدارة. كانوا متنوّعين صاروا نوعية واحدة. كانوا عرباً بالعقيدة. صاروا عرباً بالدولار والمال الإنتخابي.

يعود المسيحيون اليوم إلى حرب الإلغاء. شوط جديد بعد هدنة ثلاثين سنة. خطوط تماس من دون أكياس رَمل. سنوات قليلة وتدخل حروبهم في خانة الحروب الأكثر ديمومة. ستتنافس مع حرب المئة عام بين فرنسا وإنكلترا. الفارق أن المسيحيين وبدل أن يبنوا كالإنكليز والفرنسيين التايم سكواير في لندن وقوس النصر في باريس بنوا قصوراً من الأحقاد يخدم فيها المحاربون القدامى والمحازبون الجدد. القدامى جيش احتياط. الجدد كشّافة في الخطوط الأمامية. يحلفون باسم السلطان ويبترون بسيفه. هنيئاً لهم. يتدهورون أسرع من مركبة بلا فرامل، جَنَحَت على أحد منعطفات وادي الجماجم وسلكت مهاوي الوادي السحيق.

إنجازاتهم باتت معلنة. تهجير الأدمغة وتوطين الأزلام. قريباً ويصيرون بين الخَدَم والحَشَم في الغرف الخلفية للأنظمة القريبة والبعيدة. إلا إذا.

اضف رد