الرئيسية / أبحاث / إكليرسان !

إكليرسان !

شربل نجار
هنا لبنان
26062019

الدين بريء من كل إثم إنّما رجال الدين وككل الناس تزينّهم أعمالهم ويقيّمهم التاريخ.
كان  المطران الماروني  يرسل الى القرى من يراقب “اكليروسه الأبرشي”  فيصغي الى أقوال الناس في احوال “خوريهم”!

لم يخبرني أحد أن خوري رعية مار جرجس المارونية في المتين كان لِيُخِلّ بقوانين الكنيسة أو الأخلاق  بل قيل لي أنه كان مصلحا وحلّال مشاكل  ولم أكن لأتوقّع  من أحد العَيان ان يقول  العكس لأسباب شتى ، غير ان احد المتينيين  وهو نسيب نادر ابن شقيق الخوري فرنسيس نادر من المتين أخبرني يوما أن  راعي تلك الكنيسة كان” يطيل الوعظ حتى يُطّلِّع دين الناس “….. كما أخبرني عن بيت الخلاء الذي اضطر أن يبنيه الخوري تشريفا للمطران إغناطيوس  مبارك الوافد في زيارة الى المتين…وكان بيت الخلاء عند الخوري “على قد الحال”،”فَنَدَهَ” بركات بو فرحات معمرجي المتين ذلك الزمان وطلب منه ان يبني له بيتا للخلاء ويعدّه لإستقبال المطران.

غير أن الخوري لويس النجار راعي تلك الرعية  وقف يراقب المعلّم بركات وهو يبني بيت الخلاء  في احد أيام أيلول الحارقة. نالت منه الشمس ولقحته في الفراش أثناء الزيارة. وبينما كان المطران مبارك يتمتّع بمباهج الزيارة ومدائح المستقبلين وموائد الداعين شاغلا من حين الى حين  ، بيت الخلاء المجهّز ب” كرسي حمام ”  كان وكيله في المتن يتلظّى بحروق الشمس تداويها الخورية “عجّوبة” الصباغ النجار بما تيسّر من ” لِبَخ” المياه الباردة المشبعة  بالثلج النادر في أيلوليات تلك الأيام لتخفيف وهج الحروق  و”إسقاط احرارة !! خوريها “.  

هذه الأخبار كان يعرفها الخوري اسطفان البشعلاني ،  رواها  له المطران مبارك ومَن ساءلهم من دروز ونصارى المتين عندما زارها  فاحصاً عام 1947 ولا ادري إن كان البشعلاني يعرف الخوري لويس قبل زيارته، إلا انه وبعد الزيارة أكد صداقته في كتابه ” تاريخ بشعلي وصليما” وشرح ما وجد في بيت زميله الخوري  من كنوز الماضي واحاديث حاضر آنذاك ،ومنها وثيقة تكريس كنيسة مار جرجس المارونية في المتين. والظاهر أن  البشعلاني  دخل بيت الخوري لويس  زائرا فاحصا وخرج منه صديقا وافيا.

كرس البطريرك اسطفان الدويهي عام 1672 كنيسة مار جرجس المارونية  في المتين وارّخ بخطه على شحيم الكنيسة تفاصيل الحضور . وكان بين  الحضور أمراء وكان مطارنة وكهنة وخواجات غير أنه لم يكن في الكنيسة  . (1)راهب واحد

منذ أن قرأت ذلك التاريخ الوثيقة في كتاب البشعلاني  منقولا عن الشحيم الذي كان يحرسه جيدًا الخوري لويس النجار  وأنا ابحث عن المنطق  في استبعاد الرهبان عن احتفال  هام كهذا الإحتفال.وسرعان ما تبدّى لي  ان الرهبنة بالمفهوم القانوني لاحقة لحركة انتشار الكنائس وليست  سابقة لها.(2) .)


أما ما كان واقعًا رهبانيًا   في حدود عام 1672 ،فمبادرات نسكية مترامية  في كهوف وصوامع امتدّت من أقاصي  شمالي سوريا الى أقاصي  جبل لبنان وجبال أخرى على امتداد فلسطين وصحراء سيناء .
 وعلى يد الدويهي الطوباوي اليوم ووبطريرك  كل يوم إنتشرت الكنائس في الجبل اللبناني الأوسط  بفضل “الإكليروس الأبرشي” الذي بناها  ورفع أجراسها ونظّم رعاياها  وأوجد لكل منها راعيا يرعاها.

الرهبانيات القانونية  من مارونية وسواها موضوع مختلف إذ انطلقت مع  شباب  أتوا من حلب ومن كل المشارب والمقاصد. والدويهي كما   الموارنة من أولئك الحلبيين ألذين   انشؤوا  قانون “الإكليروس الدّيري”  الماروني،  أسّسوا  الرهبانيّة المارونية الحلبية عام 1697 التي توزعت فيما بعد بين لبناني ومريمي و أنطوني (3)   وبدا أن رهبان حلب متفوقون مثقفون مجرّبون ينتمون الى العائلات الحلبية المسيحيّة الكبرى  التي أثْرَت مع تزايد النشاط التجاري الأوروبي والتي سعت الى التفلت من الثقل الإمبراطوري الأرثوذكسي المسيطر في تلك  المدينة  . اقام بين تلك العائلات   وأثر فيها اليسوعيون،  فساعدوا على شق الصف واجتذاب قسم من الأرثوذكس باتجاه الكنيسة الرومانية. أقام المنشقون الأرثوذكس   رهبانيّات  كاثوليكيّة    وأقام  غير المنشقين    رهبانيات أورثوذكسية  الى جانب يونانيين وروس.

صحيح أن الرهبان في تواريخ أديرتهم حاولوا  إرجاع بداياتها الى القرن السابع عشر وحتى الى نهايات  السادس عشر غير أن تاريخ الرهبانيات القانونية لم يبدأ قبل بداية القرن  الثامن عشر وإثر وضع الكنيسة المارونية في ما خصّها  قانون الرهبان الديريين عام 1697. (4)  



وثيقة تكريس كنيسة مار جرجس المارونية في المتين وإن لا تبدو بمشهدية لوحة دافيد  في تتويج نابوليون إمبراطورا،  فهي تشير مؤكدة  أن الثقل كان للإكليروس الأبرشي خلال القرن السابع عشروالجزء الأول من القرن الثامن عشر. إكليروس أبرشي  بنى علاقات محكمة مع الإقطاع وحمى اصحاب الفلاحة والحرفة القرويّيْن  قبل انتشار الرهبان بين أقاصي الجبل وأقاصيه.والحركة الأبرشية هذه بدأت مع أوائل البطاركة ووصلت الى الجبل منذ ان كان في جبل لبنان الشمالي بطريرك ومطران وكاهن ورعية لكنيسة.
وقد لحقت الكنيسة بالنزوح الفلاحي الحرفي وليس العكس. فحين تمدد النزوح باتجاه كسروان والجبل الأوسط في منتصف القرن السابع عشر وتجذّر في  فلسطين و مصر لحق به الإكليروس الأبرشي عبر بناء الكنائس وتنظيم الرعايا . وكان في ذلك مصلحة للإقطاع والإكليروس الأبرشي  معا . فالأول سهّل تثبيت اليد العاملة المسيحية في  أراضيه لحاجته القصوى ليد عاملة ثابتة   والثاني  جاهد  في تثبيت سلطة روحيّة واقتصاديّة  قَضَمت من سلطة الإقطاع حتى السيطرة الكاملة عليه  عبر تنصّره ابتداء من اواسط القرن الثامن عشر. ويقدّم شحيم كنيسة مار جرجس المتين هنا أيضاً وثيقة تنصر اللمعيين الدروز على مذبحها عام 1835  وهو تنصر متأخر إن قيس بزمن تنصّر لمعيّي صليما أو شهابيّي راشيا وحاصبيا.

لا شك  في أن تمدد الإكليروس الديري  قد شكل تغييرًا جذريا  في الحركة السياسية والإقتصادية والإجتماعية الجبلية  في القرن التاسع عشر . فالعقيدة الرهبانية الناشئة على نذور الفقر والطاعة والعفّة  قد ” صنعت  العجائب”  وجعلت  من هذه المجموعة قوة هائلة القدرة لا بل عمارة إقتصادية كبرى نافست الإكليروس الأبرشي في التقرّب من الإقطاع  أولًا ومن المخوجية بعدها وصدّت  مرارًا مطامع الأبرشيات في  تلك الثروة الرهبانية الهائلة  التي تحكّم الرهبان بإنتاجها  وإدارتها .  وكان  كلما حاولت الأيدي الأبرشية الإقتراب من الثروات الديرية لإمتصاصها  أو  الإستئثار بها ، قامت القيامة واستقال من استقال وحرم من حرم وطرد من طرد والأمثلة كثيرة  نتناولها بخطوطها العريضة لفهم التركيبة الفلاحية الحرفية الأمّية والمتعلّمة التي تجاذبتها فانهكتها في القرون القريبة الماضية سلطتان : سلطة المال وسلطة الكنيسة . 

كانت الإنزلاقات تدميريّة…فكم من مطران ماروني استنجد بالمقاطعجيين الشيعة  من آل حماده لمعاونته على الرهبان الموارنة. فالمطران الياس محاسب (5) . دفع  عام 1737 للشيخ بو قاسم حماده 500 قرش لمضايقة الرهبان . ألم يجر ذلك عام 1723 في عمشيت  وهل اقتصر الأمر على عمشيت  أم كان هذا النوع من المواجهة شائعا في كافة المناطق كما في الزاوية وعكار ورومية وكفرزينا وجبيل والمروج وغيرها؟.

إن هذا النوع من الإنزلاقات أو الهزّات التي رافقت المسار الكنسي العام في جبل لبنان لم تنته إلا حين بدأ  الإستئثار الأبرشي بالتعاون مع الإرساليات (6)  يشلٌّ الديناميكية الديرية. ويحدد الأب مارون كرم بداية الشلل عام 1888 مؤكدا  أن الإنحدار العمودي للمؤسسة الرهبانية اتى إثر زوال صندوقها العام  بعد 144 سنة على إنشائه عام  1744. وعند  استلام  الإكليروس الأبرشي ادارة انتاج الإكليروس الديري برزت الكنيسة المارونية وعلى رأسها البطريرك كأكبر قوة عقارية في جبل المتصرفية مما سمح للبطريرك أن ينصب نفسه ناطقا باسم الموارنة وباسم المتصرفية وحتى باسم ما سيكون…أي لبنان الكبير ولنا في الوفدين اللذين أمّا مؤ تمر الصلح في باريس وفد البطريرك الحويك ووفد المطران عبدالله الخوري خير دليل على ما قدمنا إذ تلاقت المصلحة الداخلية الممسكة بأغلبية الأرض في المتصرفية ومصالح فرنسا في الشرق الأدنى على كسر المشروع القومي العربي عبر   إقامة دولة لبنان الكبير وهذا لا يعني ان الكنيسة كانت تحضر لقيام وطن قومي ماروني على غرار الوطن القومي اليهودي  كما جاء في بعض الدراسات اللبنانية خلال الحرب في لبنان (1975- 1990)   (7).   بل كانت الكنيسة إنطلاقا من التجذر التاريخي والمادي  المكتسب حريصة  على التحضير لقيام وطن ثابت مستقر الزوايا  للموارنة ولغير الموارنة من طوائف وذلك في عالم شرق أوسطي-  ولبنان منه وفيه-  متقلّب على ذاته  ومعرّض لأطماع من كل حدب وصوب. 

لم نقرأ عن صراع بين الإكليرسين في المتين وعليها في دفاتر الرهبان ومذكّرات الكهنة و العوام باستثناء ما جرى في المروج بموضوع مار تقلا(8)-لكن المتين وبحسب خطوط التماس التي ضربتها مع ظهور نفوذ آل عقل وبداية أفول نجم بيت بو اللمع،  تظهر أن الرّب كان بحماية الأبرشيين في المحيط القريب من بيت بو اللمع بينما كان العقليون يشدّون أزر الدّيريين في حارة “الفواقنة”  لحماية الرب هناك.

إن الأغلبية الساحقة من رهبان المتين كانت من آل سلامه وناكوزي بينما قلة  ديرية قليلة نبتت في بيت بو سليمان وخيرالله وربما سواها. ف”التْحَاتني” تطوّعوا في  الإكليروس الأبرشي منذ حركة بناء الكنائس الأولى زمن الدويهي .
(9) بينما آباء آل سلامه وعقل  والناكوزي وسواهم من العائلات ” الفوقانية”  اندفعوا باتجاه دير مار مخائيل ومدرسة المتين  عبر الدّعوات والمساعدات والوقفيات التي وقفها آل عقل للمدرسة منذ إنشائها. ووثيقة 1804 التي عثر عليها الأب بليبل في مدرسة المتين والخاصة ب”وقفية دحويش” تعتبر خير دليل على ما تقدّم .(10) وللإستزادة،  فإن سلسلتي اسماء الرؤساء المتينيين لديري  مار مخايل المتين ومار موسى الدوار تؤكدان  مدى ثقل “الفواقني” في الإكليرس الديري. وتؤكد كذلك سلسلة خوارنة الرعايا في مار جرجس ومار يوحنا مدى  تجذّر الإكليروس الأبرشي في تينك الرعيتين. ويبقى أن  ليباوس بو سليمان العالِم (1850) وبولس بو سليمان المدبّر(1908)  والأب مخايل خيرالله(1930) واغناطيوس بو سليمان  الأب العام للرهبانية اللبناية  وكان اسمه “افرام” وارتسم عام    1931 إنهم  جميعا من الإستثناءات في التركيبة الديرية المتينية.

ليس لدينا معرفة وافية بالذي كان يدور في الزوايا والتكايا المتينية من صاراعات سياسية  وكنسيّة وطبقية ، غير أن  التوزّع الكنسي  كما جرى منذ القرن الثامن عشر وحتى  أبواب القرن العشرين  يشير  لا بل يُظّهِر   مدى  ضراوة  الصراع الذي  كان قائما في المتين بين “تحت” و”فوق”منذ القرن الثامن عشر وحتى بداية الحرب الأهلية في لبنان.




الخوري اسطفان البشعلاني : تاريخ بشعلي وصليما، دار صادر، بيروت 2003، ط2 ص91 (1)
(2)المرجع السابق : ص88- 89
(3) المطران  يوسف محفوظ : مختصر تاريخ الكنيسة المارونية، الكسليك 2009 ،ط2  ص 144-147-150 .
(4) الأب لويس بليبل : تاريخ الرهبانية اللبنانية المارونية،مطبعة يوسف كوي بمصر 1924 ،ج1،ص26
(5) يذكر أن  المطران الياس محاسب كتب عام 1729على شحيم مار جرجس المتين ” أنا الحقير في الرؤساء المطران الياس محاسب حضرت الى زيارة الرعية في قرية المتين ورسمنا شمامسة ……في 7 كانون الثاني  1729″ من محفوظات أرشيف دار مطرانية بيروت)
(6) مسعود ضاهر: الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية بين عامي 1697-1861،معهد الأنماء العربي ، بيروت 1981 ص 170
(7) المرجع السابق : ص  166
(8) .الأب لويس بليبل : تاريخ الرهبانية اللبنانية المارونية،مطبعة يوسف كوي بمصر 1924 ،ج3
(9) (شربل سمعان النجار: مسارات في تاريخ المتين 1832-1918 ، إصدار خاص،  بيروت 2014،ط1 .ص59)
(10) الأب لويس بليبل،تاريخ الرهبانية اللبنانية المارونية،مطبعة يوسف كوي بمصر 1924 ،ج3.

اضف رد