الرئيسية / مقالات / إغلاق روسيا أجواء سوريا تعوّضه إسرائيل بحرب على لبنان؟

إغلاق روسيا أجواء سوريا تعوّضه إسرائيل بحرب على لبنان؟

سركيس نعوم
النهار
05102018

ارتكب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطأً مهماً عندما اعتقد أنه انتصر في سوريا وصار اللاعب الأول والوحيد القادر على تتويج انتصاراته بتحرير إدلب، ثم رعاية تسوية سورية تؤمن له دوراً اقليمياً مهماً على حساب الدول الكبرى في المنطقة أي تركيا والجمهورية الاسلامية الايرانية. وارتكب خطأً ثانياً عندما ظنّ أنه ربح على أميركا في سوريا والمنطقة وأن ذلك سيفتح له طريق العودة شريكاً بل ندّاً لها في العالم ولا سيما في أوروبا. وارتكب خطأً ثالثاً باعتقاده أن القوة العسكرية لبلاده صارت متطوّرة جداً وقادرة على منافسة القوة الأميركية في الشرق الأوسط وخارجه. هذا ما تعتقده جهات سياسية وديبلوماسية لبنانية وعربية وأجنبية انطلاقاً من متابعتها لما يجري في المنطقة، كما لميزان القوى بين روسيا والولايات المتحدة. ففي رأيها اضطر بوتين الى التراجع عن تحرير “إدلب” بالقوة العسكرية بعد رفض تركيا ذلك، وإصرارها على حل سلمي “لارهابييها” وعلى دور لها سياسي – أمني – عسكري فيها. وفي رأيها أيضاً أن القوة العسكرية الروسية التي نجح بوتين في تحديثها وفتح أسواق جديدة لها بتدخله العسكري في سوريا لا يمكن مقارنتها بالقوة العسكرية الاميركية براً وبحراً وجواً وفضاءً في المستقبل. اذ قد يكون تأثير قوتها الفضائية على روسيا ورئيسها مثلما كان تأثير “حرب النجوم” الريغانية على الاتحاد السوفياتي الدولة العظمى. وفي رأيها ثالثاً أن الوضع الاقتصادي الروسي (باستثناء النفط والغاز) ضعيف جداً. في حين أن الوضع نفسه في أميركا يشهد “فورة اقتصادية” (وفرة أعمال وانحسار بطالة) جرّاء اجراءات ترامب الحمائية. صحيح أن ترامب لا يمتلك استراتيجيا وتنقصه صفات رئاسية عدة لكن اجراءاته أعطت نتيجة الآن على الأقل. كما أن “الاستبلشمانت” أي المؤسسة لا تمكّنه من أخذ بلاده الى الهاوية عسكرياً وأمنياً واستراتيجياً. ومن هنا عودته عن قراره سحب قواته من سوريا رغم استمرار رغبته في ذلك. ومن هنا أيضاً تلويحه بالعمل العسكري كما بالمواجهة السياسية وغير السياسية لروسيا بل لبوتين في المنطقة والعالم، وفي الوقت نفسه للجمهورية الاسلامية الايرانية. والاثنتان حليفتان في سوريا ومتناقضتان فيها دوراً ومصالح واستراتيجيا. وفي رأي الجهات المتنوعة نفسها رابعاً أن اسرائيل لا بد أن تكون عاملاً مفيداً لروسيا ولبوتين، فهي وهو على علاقة جيدة ومزمنة مع اسرائيل. وقد أجرى معها سلسلة اتفاقات نفّذها كلها، منها الموافقة على عدم التصدي لطيرانها الحربي عندما يضرب “حزب الله” وعسكر ايران وسلاحهما في سوريا شرط ابتعاده من الرئيس الأسد وقصره الرئاسي وبعض المقرات العسكرية، ومنها أيضاً موافقته على إبعاد “حزب الله” أي مقاتليه وحلفائه من إيرانيين وغيرهم 80 أو 100 كيلومتر عن الجولان المحتل. لكنه رغم ذلك كله أخطأ في نظر إسرائيل عندما تسرّع في اتخاذ قرار بتسليم سوريا الأسد بطاريات صواريخ أس – 300، بعد اسقاط المضادات السورية طائرة حربية روسية حمّل هو مسؤولية إسقاطها لاسرائيل. علماً أن أحداً لا يعرف حتى الآن إذا كان سقوطها صدفة أو خطأ أو تنفيذاً لسيناريو ما. ومكمن الخطأ أن إسرائيل لم تكن يوماً عدوّة لبلاده وليست الآن كذلك، فهل تصبح عدواً؟ وهل له مصلحة في ذلك؟ أي هل يسمح بتهديد جدّي وخطير لأمنها ووجودها مباشرة وعبر حلفائه المذكورين أعلاه؟ وماذا يكون رد فعل أميركا حامية اسرائيل على ذلك وكذلك أوروبا رغم كلامها الكثير وإن غير المنتج عن حقوق الفلسطينيين. وهل تمشي الصين معه في مواجهة أميركا وفي مقابل ماذا؟ أي ماذا يستطيع أن يقدم لها وهي دولة عظمى اقتصادياً وتسعى بكل قوة لأن تصبح دولة عظمى عسكرياً. وستصبح كذلك لكنها لا تزال تحتاج الى وقت طويل. فهل تغامر من أجل مطامع بوتين وروسيا بالاندفاع معه ضد أميركا؟ علماً أن عدم اندفاعها لا يعني عدم استمرارها في توسيع نفوذها الاقتصادي وبواسطته السياسي ثم العسكري والأمني في مناطق كثيرة من العالم بل قارات عدة من قاراتها.

طبعاً القلق على العالم من ذلك كله قد يكون في غير محله الآن، لكن القلق في المنطقة ولبنان وعليهما في محله. فهل يقفل بوتين أجواء سوريا أمام الطيران الحربي لإسرائيل؟ وهل تقبل هي هذه الإهانة، كما هل تقبلها لها أميركا وخصوصاً في ظل رئاسة ترامب الذي يكاد أن يعطيها كل ما تريد وعلى حساب العرب وأصحاب الأرض خلافاً لمعظم أسلافه كلهم؟ وماذا ستفعل في هذه الحال؟ والجواب طبعاً هو أنها لن تستهدف بالقوة العسكرية الوجود العسكري الروسي الجدّي والجوي والارضي في سوريا الا اذا كان رئيس وزرائها مختلاً، ولأسباب كثيرة معروفة. لكن هل تستعيض عن حرية استباحة أجواء سوريا باستباحة أجواء لبنان؟ والجواب هو كلا لأن استباحتها مستمرة منذ سنوات رغم تحرير العام 2000 وانتصار العام 2006. لكنها ربما تعوّض ذلك بشن حرب عسكرية على لبنان رغم كلفتها الباهظة عليه وعليها نظراً الى ترسانتها المتنوعة والى الامكانات الصاروخية والقتالية الضخمة لـ”حزب الله”. علماً أن موقفها الأساسي كان أنها الآن لن تبادر الى حرب على لبنان و”حزب الله” الّا اذا اعتدى عليها. وذلك كان موقف “الحزب” المقرر عن لبنان، فهل يسمح المجتمع الدولي بذلك الآن؟ والجواب عن ذلك غائب علماً أن عواصم عدة مقتنعة بأن ضرب لبنان لا شك في حصوله، لكن موعده قد يكون عندما تصبح أزمات المنطقة (سوريا، العراق، اليمن، إيران… والصراع الفلسطيني – الاسرائيلي) قريبة من الحل، وعندما تبدأ ملامح النظام الاقليمي الجديد الذي سيحل مكان “سايكس – بيكو” المنهار بالتكوّن.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد