الرئيسية / home slide / إعرف عدوّك للتغلّب عليه وجسدك للعيش باطمئنان

إعرف عدوّك للتغلّب عليه وجسدك للعيش باطمئنان

31-10-2020 | 00:14 المصدر: النهار

سركيس نعوم

إعرف عدوّك

عام 1989 التقيت صدفة الدكتور أسعد رزق الذي تربطني به صداقة متينة أساسها جيرة أهلي لمستشفاه وقرب منزلي منه واهتمامه السياسي – الوطني – الانساني الذي اختفى أو كاد أن يختفي في بلادنا. سألني: ماذا بك؟ ولماذا أنت نحيل؟ لونك مش عاجبني ثم طلب مني أن أوافيه الى المستشفى في اليوم التالي لإجراء فحوصات.فعلت وأمضيت غالبية النهار في مختبراته. لاحظت قلقاً عنده أو ربما رغبة في استكشاف المزيد. فطلب مني الانتظار ثم أعاد فحصاً كان أجراه دعاني بعده الى مكتبه وقال: فحوصاتك كلها جيدة لكنني اكتشفت نقصاً ما “خلقة” لا أريدك أن تقلق منه رغم أهميته لأنك تستطيع عيش حياتك طبيعية الله يعطيك عمراً. المهم عدم الإفراط بشيء إلا في شرب الماء، والمهم أيضاً أن تتعوّد على إجراء فحص ثانوي شامل كي تعرف جسمك أي جسدك وتصبح قادراً على تفادي أي مفاجاة غير سارة أو على مواجهتها. امتثلت لنصيحته من دون أن أصاب “بالسرساب” لأنني بطبعي مؤمن بالله وبأن من أعطى الحياة يأخذها في ساعة يحدّدها. وعشت حياة طبيعية ولا أزال. الفحص الثانوي هذا جنّبني عام 2006 أزمة قلبية كان يُمكن أن تكون قاضية يومها. إذ أن أطباء القلب الذين كنت استشيرهم ومعظمهم أصدقاء مخلصون كانوا يطمئنونني جرّاء فحوصاتهم الى استبعادهم إصابتي بشيء ما في القلب. يومها كان باقٍ عليّ إجراء “فحص الجهد” فسألت طبيبي هل عندكم آلة تجنّبني القيام به وتعطي النتيجة الصائبة، إذ أنني لم أمارس الرياضة منذ مدة وأخشى أن أفشل فيه فتأخذونني الى “الميل”. أجاب نعم ثم مدّدني وأوصل شرائط الآلة التلفزيونية (كومبيوتر) بشرايين قلبي عندما انتهى سألته بثقة: لا شيء سلبي ما هيك؟ أجاب اقترب وشوف بنفسك. ثم أراني الشريان الرئيسي مع انسداده بنسبة 95 في المئة، وعلّق: لو داهمتك “كريزة” ما نجوت. طبعاً قمنا باللازم في حينه وتبيّن أن “زيتاتي” عند ربي لم تنته بعد.  العام الماضي 2019 وفي أثناء سفرتي المهنية الطويلة التي أقوم بها مرّة كل عام الى الولايات المتحدة، كنت أراجع ما جرى في اجتماعات لي في واشنطن كي أدوّنها، وأستعين بها لاحقاً عندما أكتب السلسلة السنوية المعتادة بعد العودة الى بيروت. وفي فترة استراحة قصيرة شاهدت إعلاناً تلفزيونياً نجماه زوجان قلقان وكئيبان في قطار.تساءلت ما بهما ثم عرفت عندما ترجلا منه وتوجّها الى “مايو كلينيك” وهي من أشهر العيادات الطبية في أميركا، بل في العالم. ثم افترّ ثغرهما عن ابتسامة اطمئنان للفحوصات التي سيجريانها فيها. قلت لنفسي: عمرك الآن 73 سنة والحمدلله لست مصاباً بمرض خطير لكنك تكبر ولا تعرف ماذا يمكن أن يخبئ لك القدر. اغتنم هذه الفرصة وخض تجربة الـCT Scan التي تصوّر بدقّة الجسم كله من الرأس الى أخمص القدمين فيطمئن بالك وإذا اكتُشف شيء تكون معالجته أكثر سهولة.أجريت الفحص وكانت النتيجة ممتازة. لكن الطبيب قال أنه لاحظ تآكلاً في زاوية أمامية للجمجمة ونصحني بمراجعة طبيبي في بيروت. فعلت ذلك مع الدكتور طفيلي في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت فطلب مني صورة أشمل هي pet Scan. ولما أخضعها للفحص والتدقيق قال: لا شيء مقلق. لكن ليطمئن قلبنا أعد الفحص مرة ثانية بعد ستة أشهر. لم أفعل ذلك بسبب عجقة الشغل، ثم لقيامي بزيارة إيران الإسلامية قبل نحو أسبوعين من زيارتي السنوية لأميركا في شباط الماضي. طبعاً كان كورونا فايروس في تلك السنة صار مصدر خطر في العالم كله فعدت الى بيروت وبدأت العمل من البيت وتفاديت الاختلاط بالناس إلا للضرورة. لكنني تذكرت ضرورة إجراء الـpet Scan ثانية للإطمئنان. ففعلت وكانت النتيجة “براءة جمجمياً”. لكن الدكتور طفيلي أراني نقطة بيضاء في مكان ما وسط الجسم وقال راجع طبيبك للمسالك البولية لنعرف ماذا يجري. تجاوبت في سرعة وكان الاستنتاج: احتمال سرطان في غدة البروستات. بدأنا الفحوصات المعمّقة واستمريت على هذه الحال أشهراً أربعة أو أكثر. لكن أحداً في محيط بيتي وعملي لم يلحظ عليّ قلقاً أو خوفاً. أنا أقوم بما عليّ والذي يأتي من الله “يا محلاه” كما كان يقول أبي وأمي. في النهاية صدر الحكم: البروستات التي استأصلتها قبل 5 سنوات من دون “جلدتها” مصابة بالداء الخبيث لكنه لا يزال محصوراً فيها ولا بد من علاج ذلك بعشرين جلسة أشعة خلال أربعة أسابيع. والشفاء ثابت أو أكيد. أما إذا تلكأت وانتشر الداء لا سمح الله فتكون في شيء وقد تصبح في شيء آخر. توجهت الى مستشفى جامعة بيروت الأميركية وبدأت العلاج ويوم أمس الجمعة كان موعد آخر جلسة. طبعاً جلسات الأشعة لا يشعر فيها الإنسان بأي شيء لكن مضاعفاتها الجانبية مؤلمة جداً وخصوصاً عندما الإنسان الى منتصفها ولعلي لا أبالغ إذا قلت أن وصفها بالـSide effect لا يقلّل أبداً من آلامها المبرّحة. فاضطررت الى وقف كتابة “الموقف هذا النهار” منذ ثلاثة أسابيع بعد إبلاغ إدارة “النهار” بالسبب الذي فاجأها. لكن قرّاء “النهار” و”الموقف” احتاروا وضاعوا في التفسير. لهذا السبب قرّرت بعد أن صارت العودة الى الكتابة متيّسرة رغم الألم أن أُطلع الذين وثقوا بـ”النهار” ثم بي على ما حصل وأن أغتنم هذه الفرصة لأُظهر لهم أن الاعتناء بالصحة قبل “وقوع الفاس في الراس” مفيد جداً وأن الفحوصات الدورية أو السنوية مهمة بدليل أنها خلّصتني ثلاث مرات حتى الآن على الأقل من أخطار عدّة. فالإيمان بالله واهب الحياة وآخذها أساسي. لكن الثقة بالطب والعلوم وتقدّمها مهم بدوره. ذلك أن نجاح الأطباء في إنقاذ مرضاهم دليل إضافي على أن “زيتاتهم” عند ربهم لا تزال موجودة وفاعلة. في النهاية ربما ينتظر قرّاء “النهار” و”الموقف” مقالات تتناول الحكومة والوضع الداخلي الراهن على صعوباته. لكن الإعلام اللبناني على تنوّعه وبغثه وثمينه يخوض فيهما وأنا لن أضيف جديداً بعد غيبة القسرية وانقطاعي عن الأصدقاء المطلعين الذين يعتبرهم غيري مصادر. لكنني ربما أضيف جديداً إذا تناولت في مقالات العودة بعد المرض الانتخابات الرئاسية الأميركية الحامية الوطيس التي ستجري يوم الثلثاء المقبل. ذلك أن الشرق الأوسط بل العالم كله ينتظر نتائجها لمعرفة انعكاساتها عليه دولاً وأنظمة راديكالية ومحافظة وعسكرية وقمعية ودينية و… وربما يكون الشرق الأوسط هو الأكثر انتظاراً لنتائجها لأنه بؤرة تفجّر دائم واشتعال ملتهب تنتظر شعوبها إشارة الاستدارة من أميركا أو إشارة الاستمرار في التوجّه نحو جهنم.  وقد استعديت لذلك باتصالات الكترونية وهاتفية مع أصدقاء أميركيين لي نافذين بعضهم عمل في السياسة وبعضهم الآخر في العسكر وبعضهم الثالث في الأبحاث وسأحاول من خلال التحاور معهم معرفة الفائز بالبيت الأبيض وانعكاسات شخصيته ومواقفه على المشاكل المستعصية في العالم وخصوصاً الشرق الأوسط. فهل يبقى بعد أيام قليلة ترامب رئيساً أو يفوز عليه بايدن؟ وما هي مواقف وسياسات كل منهما داخل أميركا وفي العالم.  sarkis.naoum@annahar.com.lb