اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / إعادة هيكلة النظام المصرفي

إعادة هيكلة النظام المصرفي

06-05-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

مروان اسكندر

مروان اسكندر

مصرف لبنان (نبيل إسماعيل).

ثمة توجُّه لدى الحكومة الحالية الى اعتماد توصية بتقليص عدد المصارف من نحو 61 مصرفًا الى خمسة أو ستة مصارف ذات ميزانيات ملحوظة.

ان هذا التصور بعيد عن تأمين سلامة الودائع مستقبلاً وجذب ودائع اضافية من اللبنانيين والعرب. ولا شك في ان الازمة المصرفية التي تشتد يومًا بعد يوم، وخصوصا بعد صدور أحكام في سويسرا وبريطانيا لمصلحة مودعين، توجب على مساهمي البنوك المعنية التي تملك هذه الفروع في الخارج تسديدها. ومعلوم ان تعميم الأحكام على البنوك اللبنانية سيؤدي الى افلاسها ولن يكون ممكنا تأسيس 5 أو 6 مصارف تتمتع بالحجم المقنِع.

استباقًا لتوجه الحكومة نحو حل كالذي اقترحه وزير اقتصاد سابق استجرّ المصائب المالية على لبنان ولقي في حكومة حسان دياب ما يشجعه على الاسترسال في اقتراحات غير ذات جدوى.

مشاكل لبنان مصرفيًا تتعلق بخمسة او ستة مصارف عاملة، وجميعها من المصارف الملحوظة، بل انها المصارف الاكبر قياسًا على ميزانياتها عام 2018، ونشير الى اننا اذا حافظنا على نظام اقتصادي حر وأهملنا التوجه الى نظام ضبط التحويلات، لدينا على الاقل 6 أو 7 مصارف عربية موجودة في لبنان يمكن ان تمثل نواة الانعاش، اضافة الى عدد لا يستهان به من البنوك اللبنانية التي تحوز الموارد والقدرات الادارية والتي لا تعاني من شحّ.

من الحقائق المعروفة أن النشاط الاقتصادي لا يمكنه الحفاظ على النمو ما لم تكن الموارد والتسهيلات المصرفية كافية ومتاحة بشكل طبيعي.

برامج المحافظة على النظام المصرفي كانت سيئة ومشوّهة. على سبيل المثال، تم تحقيق مطلبين رئيسيين من دون تشريع مرافق. في الواقع، جُمِّد تنفيذ الأحكام القضائية في حال عدم توافر الأموال المستحقة، مما أدى إلى إلغاء أي ثقة بسيادة القانون في الشأن المالي في لبنان.

إن الدعوة إلى خفض الودائع او ما يُعرف بالـ Haircut، عبر خفض مستحقات العملاء من ودائعهم بنسبة 30 أو 40 أو 50 في المئة، تحققت عمليًا. وعلى رغم أن المصارف فرضت بشكل غير قانوني قيودًا على عمليات السحب بسعر صرف عادي قدره 3.9 ملايين ليرة لوديعة بألف دولار، إلا أن سوق الصرف الحر غير الخاضع للرقابة شهد ارتفاعًا في سعر صرف الدولار إلى ما فوق 25 ألف ليرة لبنانية / دولار.

أدت ضغوط التضخم إلى تقليص قدرة المودعين، بغضّ النظر عن حجم ودائعهم، على تلبية المتطلبات الحياتية، ولا سيما العائلات التي لديها أبناء يدرسون في الخارج، والتي لا يمكنها تلبية حاجاتهم.

الأطباء، الاستشفاء، وسائقو سيارات الأجرة والمطاعم والمدارس وأسعار البنزين وكذلك زيت الديزل للتدفئة، جميع هذه النفقات اصبحت مسعّرة بأسعار الصرف الحالية في السوق. وغنيّ عن القول ان الطلب تراجع، والتحويلات الواردة من اللبنانيين العاملين في الخارج لا تودع في المصارف، علما أن بعضها أنشأ خدمات وحسابات مالية جديدة.

وكانت النتيجة المحصّلة انخفاض الودائع نحو 50٪ في العام الماضي، وأظهرت النتائج المحاسبية المنشورة للمصارف حتى نهاية عام 2020 خسائر فادحة. واضطرت المصارف إلى زيادة رؤوس أموالها بنسبة 20٪، أي ما يزيد على 4 مليارات دولار، الامر الذي تم تحقيقه، لكن أرقام الخسائر بين عامي 2020 و2021 التهمت زيادة رأس المال.

تم إجراء أكثر من “قصة شعر”؛ فقد انخفضت الواردات التي تمثل 60٪ من الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 50٪.

المطلب الثاني الذي أقرته الأحزاب السياسية ولم ينفّذ بعد هو تشريع الحد من التحويلات او ما يُعرف بـ “الكابيتال كونترول” الذي من شأنه أن يوقف تدفق الودائع إلى المصارف غير اللبنانية. في الواقع، من دون مثل هذه المصارف أو رفض المصارف المتينة قبول الدولار، الودائع قد جفّت. فالتضخم لا يترك حتى للمقتدرين ماليًا القدرة على التحويل.

إن ما يحتاج اليه لبنان ليشهد تحسناً حقيقياً في الأداء الاقتصادي وتحرير عمليات التبادل هو استعادة صورته كدولة تؤيد حرية التعبير وحرية تكوين الأحزاب السياسية والالتزام بسيادة القانون واحترام الالتزامات المالية بين اللبنانيين ومع الآخرين.

ان سنوات لبنان الذهبية التي عرفت ازدهارًا ملحوظًا مع اجتذاب الشركات والسياح والعرب المحتاجين الى الخدمات الطبية والى تعليم ابنائهم في جامعات معترف بها دوليًا، عانت اعتبارًا من عام 1975 من ضربة سياسية مع الهيمنة الفلسطينية المسلحة على الشوارع والمؤسسات التجارية والسياسيين، تلتها سيطرة القوات السورية اعتبارًا من عام 1976 على معظم اوجه الحياة في لبنان حتى الانسحاب السوري في نيسان 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري في شباط من العام نفسه.

لم يعد المشروعان غير الأساسيين لما يُعرف بـ”الهيركات” والحد من التحاويل المالية مناسبين. فـ “الهيركات” حصل ويستمر كل يوم، في حين أن الحد من التحاويل المالية غير ضروري لأن التحويلات من لبنان مسموح بها فقط لتغطية مصاريف الطلاب ومعيشتهم في الخارج.

علينا أن نبحث عن سبل المعالجات الناجعة الأساسية التي تتخطى ذلك والتي تشمل عددًا من الإجراءات التي تم تجاهلها حتى الآن. على سبيل المثال، أصدر الكثير من المصارف التزامات مدتها خمس سنوات بمعدلات فائدة مُرضية نسبيًا تراوح ما بين 7٪ و8.5٪ سنويًا، والتي كانت فعليًا بعد ضريبة الـ 15٪ تبلغ 5.8٪ وأقل من 7٪ على التوالي.

كان من المفترض أن تكون هذه الأموال جزءًا من رسملة المصارف خلال فترة كانت فيها الودائع تتزايد بمعدل سريع. وقد تم توقيع هذه العقود من خلال اتفاقات مع المصارف المعنية التي تجيز في معظم الحالات استرداد توظيف هذه الاموال من قِبل المستثمرين إما نقدًا وإما بأسهم.

في ظل الظروف الراهنة، فان تسوية هذه الالتزامات ستكون من خلال الاسهم. ولكن السؤال سيكون بأي ثمن؟ حتى عام 2015، كان من الممكن بيع أسهم المصارف مقابل علاوة وصلت في بعض الحالات إلى ضعفَي قيمة الأسهم الحالية.

لقد استحوذ كاتب هذه المقالة على مصرف صغير عام 2010 حيث بلغ صافي قيمته الحالية 22 مليون دولار وقد تم شراؤه بـ 42 مليون دولار. لا يمكن لأي مصرف في لبنان اليوم أن يطلب علاوة على قيمة أسهمه. ولهذا السبب يجب ايجاد حل للكثير من هذه المساهمات في رأس المال.