إعادة نظر أمريكية في حرب اليمن أم في بن سلمان؟

 

 

فتحت الدعوة المفاجئة التي أطلقها وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، يوم الثلاثاء الماضي، لوقف كافة الأعمال القتالية في اليمن خلال 30 يوماً، الباب لبدء مرحلة جديدة يمكن أن تنهي الحرب اليمنية المستعرّة التي تحوّلت إلى مصنع كوارث ومطحنة دموية هائلة للشعب اليمنيّ.

لقيت المطالبة الأمريكية ترحيباً من قبل وزير الخارجية البريطاني جيرمي هانت، كما استقبلت باستحسان من قبل طرفي النزاع اليمنيين، الحكومة الشرعية التي يقودها الرئيس عبد ربه منصور هادي، والمدعومة من التحالف العسكري الذي تقوده السعودية، والحوثيون، الذين تدعمهم إيران، ولكنّها ووجهت، حتى الآن، بصمت من قبل السعودية وحلفائها.
المعنى من تأخر التحالف في الرد واضح فالدعوة الأمريكية هي حين تحدد فترة زمنية معينة لإنهاء الأعمال العسكرية فهي تبدو أقرب للأمر منها للمناشدة، وبما أن الحرب اليمنية الحاليّة قد ارتبطت شخصياً باسم وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان فالأمر الأمريكي، سيعتبر بمقاييس بن سلمان، موجها إليه شخصيّا، وهو شكل من سحب الثقة بأحد أهم مرتكزات حكم وليّ العهد السعودي.
قرار الحرب في اليمن كان إعلانا من الأمير عن سيطرته على المقدرات العسكرية للمملكة، كما كان مقدّمة لإعلان حرب من نوع آخر على الداخل السعودي تمثّل بسيطرة شخص واحد على المقدرات السياسية والأمنية والمالية والإعلامية لمملكة وهو ما فتح الباب لأشكال من الغطرسة غير المسبوقة على النخب السياسية والماليّة السعودية، بل إن هذه الغطرسة فاضت خارج المملكة وتعرّضت لشخصيات عربيّة وغير عربية مؤثّرة كسعد الحريري، اللبناني، وصبيح المصري، الفلسطيني الأردني، ومحمد حسين العمودي، الأثيوبي، كما اشتبكت برعونة كبيرة مع دول كبرى وازنة في العالم، كما حصل مع ألمانيا وكندا.
وصلت هذه الغطرسة حدّها الأقصى مع اغتيال الصحافي جمال خاشقجي بالطريقة الرعناء والوحشيّة التي ما زالت تفاصيلها تتوالى، ما أدى إلى ردود فعل عالميّة لم يكن طاقم الأمير السعودي يتوقعها.
وكما ارتبطت كل التطوّرات الكبيرة في السعودية بصعود وليّ العهد والمجموعة الصغيرة المحيطة به فقد كان طبيعياً أن يحمّل بن سلمان مسؤولية مباشرة عما حصل وأن تؤدي مفاعيل القضية إلى ضغوط على حماة الأمير في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتنتج المطالب السياسية والإعلامية مراجعة أمريكية للعواقب الخطيرة للاستثمار السياسي الأمريكي في دعم الأمير الشاب ولكل النتائج الكارثية التي أدت لها، في اليمن، وفي المنطقة العربية، وفي الداخل السعودي، وفي أرجاء العالم.
بهذا المعنى فإن مطلب واشنطن ومساندة لندن وقف الأعمال العسكرية في البلد المنكوب المجاور للسعودية وتحديد مدة 30 يوماً لإنجاز ذلك هو أمر لا يتعلّق فقط باليمن بل يتعلّق أيضاً بوضع نقاط على «رخصة القيادة» السياسية المعطاة لبن سلمان من واشنطن (تمهيدا لسحبها كلّياً إذا لم يمتثل؟)، أي أنه بدء لسحب الغطاء السياسي الذي أمّنته إدارة ترامب لوليّ العهد، وهو أمر شديد الأهمية في سير موازين القوى السياسية في المملكة.
أشارت وسائل إعلاميّة إلى أن الخطوة الثانية المتوقع الضغط على الأمير فيها هي العمل على وقف حصار السعودية والإمارات والبحرين لقطر، أما الخطوة الثالثة فتتعلق بإعادة ترتيب تشكيلة الحكم السعودي نفسه وتخفيف قبضة بن سلمان على جميع مناحي القوّة في المملكة.
وقف الحرب في اليمن، بهذا المعنى، هي مقدّمة ضرورية لإعادة ترتيب البيت السعودي نفسه لوقف المتوالية الهندسية للخسائر السياسية والمالية والعسكرية التي أنتجها صعود نجم بن سلمان.

كلمات مفتاحية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*