الرئيسية / home slide / إعادة قراءة في كتاب المدير الجديد للسي. أي. إي. عن إيران: العناصر الجديدة في التفاوض

إعادة قراءة في كتاب المدير الجديد للسي. أي. إي. عن إيران: العناصر الجديدة في التفاوض

21-01-2021 | 00:00 المصدر: النهار

جهاد الزين

غلاف الكتاب

ويليام ج. بيرنز هو مدافع دائم عن الاتفاق النووي.  فقد قاد مرحلة ربما تكون الأهم في المسار الذي أوصل إلى الاتفاق بين مجموعة 5+1 وبين إيران عام 2015، هي مرحلة مفاوضات عُمان السرية التي سبقت مفاوضات جنيف ولوزان التقنية حول بنود الاتفاق النووي ومفاعيله والتي قيل أن فيها “سر” هذا الاتفاق من حيث طبيعة العلاقة الأميركية الإيرانية وحدود النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط كما تم التفاهم عليها في خلفية الاتفاق. والمعروف أن مجموعة 5+1 هي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا. (ووقعت الاتفاق الممثلية العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي). هذا الديبلوماسي الأميركي المخضرم الذي كان يعمل حتى أمس الأول الثلاثاء رئيسا لمؤسسة كارنيغي البحثية الأميركية المرموقة، والتي لها فرع في بيروت، سيصبح مديرا لوكالة الاستخبارات الأميركية (ال#سي. أي. إي) بعدما اختاره الرئيس المنتخب جو بايدن لهذا المنصب الحسّاس. بيرنز ديبلوماسي يعرف الشرق الأوسط معرفة حثيثة وطويلة وعمل سفيرا في الأردن ومساعدا لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى كما كان سفيرا في روسيا وتولّى مرارا مهمات في الإدارة المركزية وهو يعتبر الديبلوماسي المحترف الثاني الذي شغل منصب نائب وزير الخارجية في تاريخ الإدارات الأميركية. سبق لي أن كتبتُ عن بعض فصول كتاب “مذكراته” الذي أصدره عام 2019 وأسماه :”القناة الخلفية- الديبلوماسية الأميركية في عالم مضطرب” (The Back Channel -American Diplomacy In A Disordered World) وفيه بصورة خاصة الفصل التاسع: إيران والقنبلة: المحادثات السرية. وهو فصل من حوالي خمسين صفحة يمتد بين الصفحة 337 والصفحة 387 من مجموع صفحات كتابه البالغ خمسمائة صفحة ترقيماً والصادر عن منشورات ” هيرست وشركاه – لندن”. يكاد يكون عنوان الكتاب كله مأخوذاً من الفصل التاسع مع أن الكتاب هو مرافعة تذكارية لتجربة ديبلوماسي أميركي رفيع متنوع الفصول وأخص منها فصل معايشته لعملية انتقال التاج في العرش الأردني من الملك حسين إلى نجله الملك عبدالله والملابسات الكاشفة والمثيرة التي رافقت هذه العملية ودور أو لادور الأمير الحسن شقيق الملك وولي عهده المزمن بعدما قرر الملك حسين ما أسماه “تصحيح الخطأ تجاه ابني” كما كشف بعد سنوات روبرت ساتلوف مدير معهد الشرق الأدنى أن الملك حسين صارحه بذلك قبل أشهر من قيامه بذلك في لقاء خاص مع ساتلوف في منزل الملك في ميريلاند القريبة من واشنطن. نعود إلى موضوعنا وهو إعادة قراءتي لفصل محادثات عُمان السرية التي قادها بيرنز وأدت إلى إطلاق عملية الاتفاق الذي سيلغيه دونالد ترامب لاحقا. إعادة قراءة تستلزمها عملية التغيير في الإدارة الأميركية التي تبدو مختلفة جدا عن السابقة وفيها أساسيون ساهموا في صناعة الاتفاق النووي دون أن يعني ذلك طبعاً أن إدارة بايدن ستعيد استخدام الاستهدافات والأساليب نفسها. وسيكون انتظار ذلك سذاجة سياسية أكيدة. في الحقيقة كشفت لي القراءة الثانية لهذا الفصل عدة أمور ربما لم أُوْلِها أو أُوْلي لغيابها أو ضعف حضورها في مرافعته الأهمية الكافية في قراءتي الأولى العام المنصرم أو الذي سبقه. الملاحظة الأولى هي أن المحادثات بقلم بيرنز في كتابه وهو المدافع المتواصل عن الاتفاق النووي ك”فرصة” في مقالات في “النيويورك تايمز” في عز ولاية ترامب، تكاد لا تدخل في  تفاصيل الشرق الأوسط إلا بشكل عام جدا  وتحصر اهتمامها بإنتاج الاتفاق النووي بذاته وشروط المراقبة الصارمة للأنشطة النووية الإيرانية التي قَبِلَ بها الإيرانيون بعدما قَبِل الأميركيون بمستوىً من التخصيب للاستخدام النووي السلمي لا يسمح قطعا بإنتاج قنبلة نووية. لولا أنه يشير بسرعة شديدة إلى الاعتراض الجوهري الخليجي العربي والإسرائيلي على احتمال استفادة النفوذ الإيراني من الاتفاق، يكاد بيرنز ينسى هذا الموضوع في انصرافه لتفاصيل الاتفاق النووي. ولولا إشارة في نهاية المقال إلى أنه إنجاز “يُبنى عليه” لَأَخَذَ القارئُ أحدَ انطباعين متناقضَين:إما أن المتفاوضين كما قال منتقدو الاتفاق لم يتطرّقوا إلى نتائجه الجيوبوليتيكية في المنطقة المحيطة أو أن ذلك هو جزء من تفاهمات سرية غير معلنة.  كمراقب أميل للرأي الثاني لكن ليس بالضرورة وجود تفاهمات غير معلنة لأن الاتفاق النووي حمل بحد ذاته استسلامَ المشروع النووي العسكري الإيراني أي التخلي الإيراني عنه تحت المراقبة الصارمة التي وضع معاييرها الأميركيون والقوى الكبرى كلها. الذي لا زال مرجّحا ولم يعترف به لا دونالد ترامب ولا اليمين الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو هو أن الاتفاق يخلق دينامياتٍ بعيدةَ المدى ربما كان سيكون ذروتها الانسحاب الإيراني من الصراع مع إسرائيل. وووليام بيرنز نفسه في كتابه يستذكر سياسة الاحتواء الشهيرة التي مارستها الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي، ولكنه لا يقول طبعاً أنها أدّت إلى تغيير النظام بالنتيجة في روسيا (بل تغيير العالم) وكيف جرى إعداد كوادر من الخارجية الأميركية يتقنون اللغة الروسية كان بيرنز يريد ذلك مع إيران، أي تعليم الفارسية. ففي مقدمات تهيئة الأميركيين للتفاوض السري يومها (البادئ عام 2013) تشديدهم، حسب بيرنز، أنهم لا يريدون تغيير النظام في إيران بل الضغط عليه عبر العقوبات لإنهاء مشروعها النووي العسكري. مرةً قبل سنتين ونيّف  دعا وزير الخارجية الأردني الأسبق  مروان المعشر ونائب رئيس كارنيغي الحالي لشؤون الشرق الأوسط ومها يحي مديرة مركز كارنيغي في بيروت بعض الزملاء كنت منهم لجلسة “أوف ذي ريكورد” مع وليام بيرنز الذي أتى إلى بيروت ليرأس الاجتماع السنوي لمؤسسة كارنيغي،وأتذكّر أنني سألته هل تم التطرق لمستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة خلال محادثات عُمان السرية فأجاب بالحرف أن ذلك حصل بشكل هامشي. وهذا يزيد غموضا على غموض مع أن بيرنز في كتابه وبشكل شبه ساخر ينقل عن رئيس الوفد الإيراني في محادثات عُمان (السيد جليلي) قوله لبيرنز في إحدى اللحظات أنه قرأ مرة خلال مروره في مطار نيويورك إعلانا مكتوبا هو: “فكِّر في الكبير” وأنه يدعوه لتجاوز الخلافات إلى “التفكير في الكبير”. ماذا كان هذا “الكبير” في نظر المفاوض الإيراني ولماذا يدعو الأصغر ُ، وهو الإيراني، الأكبرَ وهو الأميركي إلى التفكير في الكبير؟ هل هو تشاطرٌ أم مناورة أم إغراء لنيل “التفاحة الكبرى” كما يحب الأميركيون أن يقولوا؟ سيستلم وليام بيرنز الديبلوماسي المحترف رئاسة “السي أي إي’ في عهد جو بايدن. موقع مهم جدا سواء لمراقبة إيران أو لمعاقبتها أو للتفاوض مجددا معها. الأكيد أن فريق بايدن الذي يضم محبِّذين للاتفاق ، كانوا هم أيضا متشدّدين، سيغيرون تكتيكاتهم السابقة . فقد طرأ تطور استراتيجي على المشهد هو مسألة الصواريخ الإيرانية القادرة على حمل رؤوس نووية أو غير نووية، مما يعني حكما البحث المباشر في موضوع جديد هوالصواريخ لاسيما أن الرئيس بايدن سيرث تطورا نوعيا لصالح الولايات المتحدة هو العلاقات الديبلوماسية بين بعض دول الخليج والمغرب وبين إسرائيل. وهذه في نظر أي مسؤول أميركي، ديموقراطيا كان أو جمهوريا، ثروة استراتيجية لا يمكن له تجاهلها بعد الآن. وحسب المعلومات التي سرّبها الفرنسيون في الأيام الأخيرة ونشرتها إحدى الصحف الفرنسية نقلا عن تصريحات لوزير الخارجية جان إيڤ لودريان، (وفي كتاب بيرنز المخابرات الفرنسية والبريطانية جزء أساسي من رصد الأنشطة النووية الإيرانية)، بدأ الضغط الجديد على إيران تحضيرا لمفاوضات لا تزال في مرحلة الاتصالات بين الإدارة الجديدة وطهران ساهمت إسرائيل في الحديث عنها ولكن دون كشف تفاصيل عنها حتى الآن. يصف وليام بيرنز مبكرا أي قبل بدء مفاوضات عُمان السابقة،الوضعين الداخليين في كل من أميركا وإيران بأنهما صعبان ومتفجران حول موضوع العلاقات بين البلدين، كان ذلك قبل إرث دونالد ترامب فكيف بعده؟ 

j.elzein@hotmail.comTwitter: @ j_elzein