الرئيسية / home slide / إعادة تأهيل نظام الأسد هل تؤذي المساءلة الدولية له؟

إعادة تأهيل نظام الأسد هل تؤذي المساءلة الدولية له؟

08-12-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

سركيس نعوم

سركيس نعوم

آلية عسكرية أميركية على الحدود التركية في الحسكة السورية (أ ف ب).

نصحت #روسيا #فلاديمير بوتين رئيس تركيا رجب طيب #أردوغان بالانفتاح على #سوريا #بشار الأسد بعد سنوات القطيعة بينهما والعداء والحرب العسكرية غير المباشرة أي بواسطة “الفصائل الجهادية” الإسلامية التي يعتبرها معظم العالم إرهابية. وذكّرتها بالماضي الجميل بين الدولتين يوم عاشتا شهر عسل حقيقياً وظنّتا كما ظنّ الشرق الأوسط أن محور دمشق – أنقرة سيكون أساسياً في النظام الجديد للشرق الأوسط طبعاً بعد انتهاء حروبه ومشكلاته ونزاعاته الكثيرة. وبدا من تعليقات أردوغان أنه على استعداد لتجاوب مع نصيحة صديقه أو حليفه الروسي. لكن بدا في الوقت نفسه أن الأسد، الذي لم يرفض مباشرةً نصيحة منقذه ونظامه بوتين بالتعاون مع إيران الإسلامية وذراعها العسكرية الأكبر والأقوى في المنطقة “حزب الله”، لا يزال غير مقتنع بالإقدام على هذه الخطوة رغم أن تعليقه عليها كان هادئاً، إذ أكد علانية أن اتصالات مخابراتية تجري بين تركيا وبلاده وهي مستمرة، معتبراً أن ذلك بدايةٌ ربما تفتح طريق اتصال على المستوى السياسي.

ما سبب تردّد الرئيس السوري في التجاوب مع الاقتراح الروسي والتبنّي السريع له من الرئيس التركي؟ ترجّح مصادر سياسية إقليمية أن تكون للتردّد أسباب عدة. أولها أن أردوغان سيتعرّض لامتحان شعبي مهم السنة المقبلة. ذلك أنه سيخوض معركة تجديد ولايته الرئاسية بانتخاب شعبي كما جرت العادة. وفي هذا المجال لا يستبعد متابعو الأوضاع في تركيا نجاحه في الحصول على ولاية جديدة رغم أن وضعه الشعبي شهد بعض التغيير في غير مصلحته، وأن الأحزاب المعارضة له والمصمّمة على منافسته انتخابياً تحسّن وضعها الشعبي استناداً الى عدد من استطلاعات الرأي. في معركة من هذا النوع لا بد من أن تكون لعودة علاقة بعيدة بين بلاده وسوريا ومع رئيسها الأسد تأثير إيجابي على حملته الانتخابية. ثاني الأسباب أن أردوغان أعلن قبل أشهر عدة أي في مطلع السنة التي ستنقضي بعد نحو ثلاثة أسابيع اعتزامه تجريد حملة عسكرية ضد الأكراد المعارضين بل المعادين له والشانّين حرباً عليه داخل بلاده أي بلادهم وخارجها منذ عقود لتطهيرها منهم وللسيطرة على شريط حدودي بعمق 30 كيلومتراً. وهذا عمل يعتبره الأسد معادياً لسببين، الأول تكريس سيطرة تركيا على مساحة حدودية مهمة من أرض سوريا قد لا تعود أبداً إليها مستقبلاً فيُصبح مصيرها مثل “لواء الإسكندرون السليب” أي بتغطية دولية روسية وعلى الأرجح أميركية أيضاً. الثاني تسليم هذه المنطقة الى التنظيمات “الجهادية” الإسلامية التي يعتبرها نظام سوريا إرهابية ومعها المجتمع الدولي أو غالبيته. من شأن ذلك جعل تهديدها لسوريا وسلامتها وسلامها يوم يحصل ذلك دائماً، وهذا أمرٌ لا يمكن قبوله. أما ثالث الأسباب فهو عدم شعور الأسد بالاستقرار رغم توقف العمليات الحربية داخل بلاده بنسبة كبيرة. وأدرك أن “الصلحة” مع أردوغان اقترحها رئيس روسيا بوتين ربما لأنها تخفّف قليلاً عن جيشه الباقي في سوريا حمايةً لنظامها. لكن الغربيْن الأميركي والأوروبي لم يتبنّيا الاقتراح التركي المذكور أعلاه لمعرفتهما بطموحات رئيس تركيا وتقلّباته وتمسّكه بمصالحه أولاً ثم بمصلحة بلاده من دون أخذ مصالح الدول الأخرى في المنطقة في الاعتبار. فعلى أرض سوريا تنظيمات جهادية تكفيرية متنوّعة ومتقاتلة على السلطة تضم سوريين في صفوفها. وعلى أرضها أيضاً أكراد هم مواطنون سوريون يحمون مناطقهم ويتعاونون مع أكراد تركيا والعراق وربما غيرهما لمواجهة حرب تركيا عليهم. وهي حرب قد تشتد بعد انضمام إيران الإسلامية إليها رغم أن استهدافها يقتصر على أكرادها وأكراد العراق الذين يؤمّنون لهم الإقامة والحماية كتنظيم عسكري.

كيف يرى باحث في مركز أبحاث أميركي جدي معروف بصدقيته الجهود التي تُبذل حالياً لإعادة تأهيل نظام الأسد بعد اعتباره محاولة الانفتاح التركية عليه خطوة على هذه الطريق؟ هو يعتقد أن الأسد تمكّن من الصمود في مواجهة الحرب الأهلية في بلاده ولا يزال يحتفظ مع مساعديه بمواقعهم على رأس السلطة. لكن سوريا لا تزال معزولةً. وعودتها المتوقّعة الى جامعة الدول العربية أُحبطت أخيراً. وهي لا تزال خاضعة لمنظومة عقوبات قاسية بقيادة الولايات المتحدة. لكن رغم ذلك فإن التطبيع مع سوريا ورئيسها قائم ومستمر رغم استبعاد اكتماله قريباً. فالأسد جدّد انخراطه الديبلوماسي واستأنف التجارة والاقتصاد مع بعض الدول. والإمارات العربية المتحدة والبحرين أعادتا فتح سفارتيهما في دمشق، وكل الدول العربية باستثناء قطر لها مع سوريا إما علاقات كاملة على مستوى السفارات وإما خطوط مباشرة. علماً بأن محاولة أردوغان الانفتاح على الأسد قد تعود ربما الى اقتناع عنده بحتمية بقائه ونظامه.

أما الحجج المؤيّدة للتطبيع مع سوريا الأسد فهي في رأي الباحث الأميركي نفسه أنه سيسهم في الاستقرار داخلها، وفي ضبط سلوكها على الساحة الدولية كما في التصدّي للنفوذين الإيراني والروسي، فضلاً عن أنها تحسّن الاقتصاد وستقلّص عدد السوريين الذين يعانون من التداعيات الاقتصادية والإنسانية للعقوبات، علماً بأن التطبيع قد يُلحق ضرراً بشرعية المجتمع الدولي ما دام المسؤولون عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سوريا لم يخضعوا للمساءلة. طبعاً ستكون لطريقة انتهاء حرب روسيا على أوكرانيا تداعيات في الشرق الأوسط وعليه لكن العكس صحيح أيضاً إذ سيغلب الظن أن تطورات سوريا ستخفض التوقعات بإمكان تحقيق العدالة في القضية الأوكرانية. إلا أن المهم في ذلك كله هو عدم بقاء محنة السوريين من دون معالجة، علماً بأنها تواجه حائطاً مسدوداً في مجلس الأمن، الأمر الذي دفع المهتمين بذلك الى اللجوء الى محاكم أوروبية. وإذا قرّر المجتمع الدولي التخلّي عن محاولات إحقاق العدالة على تفرّقها فإن الرسالة الى العالم ستكون أن الإنتهاكات الفادحة للقانون الدولي ستمر من دون عقاب، وستكون أيضاً ترسيخ النظم السلطوية في العالم العربي.

Sarkis.naoum@annahar.com.lb