اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / إسكندر رياشي.. ليس وحده خلف ستائر النسيان

إسكندر رياشي.. ليس وحده خلف ستائر النسيان

محمد حجيري|الثلاثاء18/01/2022
Almodon.com

قبل أيام، احتفلت “دار الجديد” بإعادة أعمال إسكندر رياشي “إلى الحياة” من خلال مقدمة كتبها لقمان سليم وستكون مرفقة مع طبعة “طبق الاصل” من كتاب “نسوان من لبنان” للرياشي، الزحلاوي المولود في بلد الخنشارة المتنية، والمغترب في نيويورك العام 1910، والعائد الى لبنان العام 1913 فراسَل جريدة “الطان ” الفرنسية من بيروت، وساعد المجاهدين في معركة “ميسلون”، وأسس جريدة “البردوني” قبل أن تصير “الصحافي التائه”، ويصبح اسمها لقبه…

والرياشي التائه ومؤلف كتب “قبل وبعد”، “الأيام اللبنانية”، “نعيش مع الآلهة” (بالفرنسية)، “أهل الغرام”، “حب الملوك والسلاطين”، “بنات بدون رجال”، “مجانين ومجنونات الحب”، “لصوص الغاب”، “بلتزا الأميرة البيزنطية وسيف الدولة”، “السامرية على بئر يعقوب” و”رؤساء لبنان كما عرفتهم”، وهو الذي شغل الرأي العام في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من خلال كتاباته ونهفاته، ومع ذلك بات شبه منسيّ في زماننا، مع أن اسلوبه السلس في الكتابه يستعصي أن يموت. ذلك أن صاحب هذا الأسلوب الظريف، عاش حياته بالطول وبالعرض، وجاهر بالصالح والطالح والحق والباطل في حياته، ووصل الى مركز نقيب الصحافة، وساهم بشكل بارز في دفع المؤرخ يوسف ابراهيم يزبك ولقبه “الشبح الباكي” الى تأسيس الحزب الشيوعي اللبناني(حزب الشعب) في عشرينيات القرن الماضي. يومها كانت الشيوعية العمالية اللبنانية بالفطرة، قبل أن تحلّ العقائد اليابسة والمركزيات، التي تجعل من العمال مجرد أدوات أو شعارات وهمية.

والحال أن الرياشي أصدر في زحلة في 24 ايلول 1922 العدد الأول من جريدة “الصحافي التائه”. وكانت تصدر مرتين في الاسبوع، أعلنتْ عن نفسها بأنها “جريدة العمال والبؤساء”، وحدّد مواقفها السياسية الاجتماعي في مقال افتتاحي جاء فيه: “هذه الجريدة تعترف بالتآخي، بين الطبقات وأنه لحق طبيعي وصريح، وهي تكافح من أجل ذلك، وتحترم الفقير التعس أكثر من الغني السعيد، لذلك تكون صديقة العامل والمزارع والضعيف وتدافع عن مصالح هؤلاء بكل قواها، واعترف بأن المبادئ الاشتراكية المعتدلة قد جاء بها الكتابان الكريمان لعيسى ومحمد”. وفي الوقت نفسه حدد سياسة الجريدة بأنها “مع الإنتداب وإشرافه عل البلاد”. في هذا يقول أرتين ماديان، الأرمني اللبناني والشيوعي العتيق في مذكراته “حياة على المتراس”: “من الواضح أن إسكندر رياشي كان مشوش الافكار، وكان يخلط بين القضايا الاجتماعية والقضايا الطبقية، والمبادئ الاشتراكية، ويجهل مبادئ الاستقلال الوطني ويعترف بضرورة الانتداب الفرنسي”. ويضيف بالرغم من ذلك: “لعبت جريدته دوراً إيجابياً لأنها خصصتْ صفحاتها لعدد من الشباب الذين أدت تساؤلاتهم ومناقشاتهم والجهد التحليلي الذي بذله أحدهم إلى ولادة الحرك العمالية الحديثة في لبنان، وقد اكد هذا القول الباحث الفرنسي، جاك كولان”.

الرياشي المتشابك و”اللبناني” والآتي من أمزجة وأخلاط ونزهات كلامية، يقول عنه أمين الريحاني في كتابه “قلب لبنان” بأن “له فناً خاصاً، وهو ظريف لبق مطلع بالكتابة، فهو يقرأ ألف سطر ليكتب سطراً!”، في الضفة الفرنسية قال عنه الجنرال كاترو في حفلة للمفوضية العراقية في بيروت ملاطفاً “هذا الصحافي التائه أكبر وأنبه صحافي عرفته في الشرق”، هكذا كان الرياشي يتسلّى، يفضح الأخرين، ويفضح نفسه، يساند الفقراء، يشتم الأثرياء، يتقرّب من الاستعمار، ويسخر من وجهاء المناطق، يكتب عن الرؤساء والسياسة ويتلذذ في السرد عن “النسوان” والغرام… كان له زمانه ولغته، والباقي البارز من الماضي الغابر إلى الحاضر الآني هو الفساد الذي ركز عليه الرياشي. فهو في مقدمة كتابه “قبل وبعد”، يسأل: “لماذا يسمون بيروت شنغهاي البحر المتوسط؟”، ويجيب: “لأن الفساد والاستغلال والمتاجرات ولدت فيها!”… ورغم ذلك كله، ورغم ما قيل عن الرياشي على لسان الريحاني وكاترو وغسان تويني وغيرهم، ورغم الدور الذي لعبه، بات وراء ستائر النسيان، وتمدد الفساد مثل بقعة الزيت، صار السرطان الذي يتحكم بحياتنا…

وباختصار الرياشي وهو ليس وحده وراء الستائر، فمعظم الكتاب والشعراء اللبنانيين، حتى الذين رحلوا في الأمس القريب، باتوا في هذا الموضع نتيجة سبات عميق في الثقافة، في جانب ما يتعلق بالاهمال، وفي جانب آخر بالتحولات السياسة، خصوصاً في السنوات الأخيرة… لنتخيل أن جمال عبد الناصر في زمانه، كان يستيقظ ويطلب جريدة “النهار” لقراءة تعليقات ميشال أبو جودة، ولنتأمل طقم “السواقط” الآني الذي باتت تستقي منه وسائل الاعلام المرئية أخبارها وتحليلاتها…