إذا كانت الصواريخ لوقت “الحشرة” فأي “حشرة” أكثر من ضمّ القدس والجولان؟!

لم يكن أحد يتوقّع أن يصدر عن قمّة تونس العربية غير ما صدر عنها ولم يكن في مستوى الردّ على ضمّ القدس والجولان إلى دولة إسرائيل لأن العرب هم على خلاف وانقسام بل في اقتتال، ولم توحّدهم حتّى “مصيبة” العداء المشترك لاسرائيل، إلى حدّ أن القرارات الحازمة والحاسمة التي صدرت أحياناً عن قمم عربيّة ظلّت حبراً على ورق، ما جعل إسرائيل تستخف بها ولا تأبه لها كما استخفّت بقرارات مجلس الأمن الدولي. فمذ وقعت الهزيمة العسكريّة العربيّة وقد وُصِفت بـ”النكسة” للتخفيف من وقعها، لم يصدر عن القمم العربية سوى بيانات الاستنكار الشديدة اللهجة بإدانة اسرائيل والتأكيد على أن الأراضي المحتلّة هي أراضٍ عربيّة وفلسطينيّة، ولن يُغير الاحتلال الاسرائيلي هويّتها مهما طال الزمن. وقد ردَّت إسرائيل على قرارات قمّة تونس وبيانها الإنشائي ببناء مزيد من المستوطنات في الجولان لتوطين اليهود، ولتحول من خلال كل ذلك دون إقامة دولة فلسطينيّة ودون عودة اللاجئين الفلسطينيّين إلى أرضهم بل توطينهم حيث هم.

إن اسرائيل قرّرت ضم الجولان بعدما أنشأت فيه بنية تحتيّة، كما ضمّت القدس بعدما أكملت تنفيذ مخطّط تهويدها وإزالة كل معالمها التي تخالف ذلك، وكان ردّ القمم العربيّة على كل ذلك بيانات إنشائيّة تؤكّد أن القدس عربيّة وهي عاصمة لدولة فلسطين التي لا وجود لها إلّا على الورق، وتأكيد أن الجولان أرض سورية شاء مَن شاء وأبى مَن أبى…

وفي حين كانت دول عربية تتقاتل أو تواجه قلاقل داخلية، كانت اسرائيل تقيم مناطق صناعية ومزارع ومرافق سياحيّة وقواعد عسكرية في الجولان، وعدم الأخذ بقول رئيس الوزراء سابقاً اسحق رابين بأنه مستعد للانسحاب من الجولان في مقابل سلام كامل مع سوريا، أو استئجار الجولان مدة 25 عاماً قابلة للتجديد. ولكن عندما لاحظت اسرائيل أن التخطيط لانهاء الحرب في سوريا يتّجه إلى تقسيمها وإلى إقامة دويلات طائفيّة، أخذت تعمل للحصول على اعتراف دولي بضم القدس والجولان إليها، ولم تهتمّ الدول العربية لكلام السفير الأميركي لدى اسرائيل وهو يكرّر القول: “إن هضبة الجولان لن تُعاد إلى سوريا وهي تُشكّل جزءاً من أرضها، وإن التخلّي عنها يضع إسرائيل في دوّامة ضمن صفقة شاملة لتقاسم النفوذ يكون لإيران بموجبها وجود رمزي في سوريا وتُرفع العقوبات عنها. وحاولت إسرائيل تطويع السكان السوريين في الجولان، وجلّهم من الدروز، من خلال إجراء انتخابات بلدية لكنّها فشلت، فعملت على طرد السكّان العرب من الجولان، ومنعت أيّ مواطن فيه من حفر الآبار وأنشأت شركة لتوزيع المياه على المستوطنين اليهود، وأعطت الجنسيّة لسكّان المناطق المحتلّة معتبرة إيّاها ملكاً لإسرائيل، ولم تأبه لقرار مجلس الأمن الذي اعتبر الضم باطلاً، كما لم تأبه لقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1982 الذي دان بقوّة عدم امتثال اسرائيل لكل القرارات الدولية، بل واصلت حفر الآبار الارتوازية تحت أنظار القوات الدولية وربطتها بشبكات أنابيب تغذّي المستوطنات بالمياه وتنقل قسماً منها إلى داخل اسرائيل، وأقامت أيضاً مجموعة سدود ربطتها بمضخات لأن اسرائيل تطمع بمياه الجولان منذ قال شمعون بيريس: “إن المياه هي قبل الأرض، فلو أنّنا اتفقنا على الأرض ولم نتفق على المياه، فلن يكون اتفاقاً حقيقيّاً”، وهو ما فعلته اسرائيل في الجولان قبل ضمّه، لا بل نشرت كما قيل رؤوساً نووية فيه، وتردَّد أنها ستقيم محمية طبيعية تكون تحت السيطرة الشكلية لسوريا وبإشراف دولي لحماية موارد المياه في حوض نهر الأردن وتكون حديقة مفتوحة للجميع، حتّى إذا ما طرحت أميركا خطّة سلام فإنّها تكون خطّة تقاسم ما تبقّى من الأراضي الفلسطينيّة والعربيّة المحتلّة، وذلك على أساس: “ما لنا لنا وما لكم لنا ولكم”.

هذه هي نيّات إسرائيل وقد باتت مكشوفة، فما هي نيّات الدول العربيّة؟ أوَليس من حق الشعوب العربيّة أن تسأل: أين الصواريخ التي تخيف اسرائيل؟ فإذا لم تُستخدم وقت “الحشْرة”، فهل من حشرة أكثر من ضم القدس وإعلانها عاصمة لإسرائيل، ثمّ ضم الجولان ولاحقاً مناطق أخرى؟ أفلا يستحقّ كل ذلك وضع إسرائيل بين خيارين: الحرب أو السلم لاستعادة الحقوق العربيّة والفلسطينيّة المسلوبة؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*