الرئيسية / أضواء على / إدغار موران يوجه رسالة لقارئ عربي «يواجه أزمات عدة ومركّبة»

إدغار موران يوجه رسالة لقارئ عربي «يواجه أزمات عدة ومركّبة»

 

إدغار موران

الرباط: محسن المحمدي
الشرق الأوسط
19112018

أصدرت «دار الساقي» هذا العام ترجمة لكتاب الفيلسوف الفرنسي إدغار موران بعنوان «في مفهوم الأزمة»، نقلته إلى العربية بديعة بوليلة. الكتاب صغير الحجم، لا يتجاوز 80 صفحة، لكنه كان كافياً لتفكيك مفهوم الأزمة والبحث في ثناياه وإخراج ما به من دلالات. الجميل في الكتاب أن مؤلفه إدغار موران هو من وضع مقدمة خاصة لهذه الطبعة العربية مخاطباً القارئ العربي بقوله: «أتمنى أن تكون الإشارات التي يحملها هذا الكتاب مفيدة للقارئ العربي الذي يواجه أزمات عدة ومتراكبة»، فما المقصود بالأزمة وما هي أبرز مكوناتها؟
الكتاب تم تأليفه عام 1976 وهو لا يزال يحافظ على «راهنيته»، ما دفع المترجمة إلى أن تضع بعد المقدمة توطئة كانت عبارة عن حوار أجراه فرنسوا ليفونيه مع إدغار موران، وذلك قبل سنتين، يناقشه في مضمون الكتاب وسياقات تأليفه، ليجيب إدغار موران أن الأزمة مفهوم كان يشغل ذهنه ويخلق لديه مفارقات، خصوصاً أن البون شاسع بين الدلالة اليونانية القديمة له والدلالة المعاصرة، فإذا كان اليونان يرون الأزمة هي لحظة تشخيص المرض أي لحظة بروز الأعراض الواضحة، فإننا في راهننا أصبحت الأزمة مرتبطة بالغموض وصعوبة التشخيص، فهي لحظة غياب الحسم وغياب اليقين. وللتوضيح يقدم المؤلف كثيراً من الأمثلة التوضيحية، فحينما نقول إن هناك أزمة وزارية. فنحن لا نعرف جيداً من سيكون الوزير الجديد أو رئيس الحكومة. والأمر نفسه يقال عن الأزمة الاقتصادية، فنحن نجهل مآلاتها. فما الأزمة بالضبط؟
يرى إدغار موران أن مفهوم الأزمة يحمل في جوفه اختلالاً في التوازن مع غياب اليقين، فهي فوضى ناتجة عن إخفاق في ضبط نظام الكبح وعدم قدرة على كبت الانحرافات، ما يخلق وضعاً غير مستقر. فما معنى هذا التوصيف للأزمة؟
يضرب إدغار موران المثال بالجسم، باعتباره «آلة بالغة التعقيد»، فهي تعمل بصفة عادية، لكن هي دائماً على حافة الأزمة أو لنقل إنها تشتغل مع الفوضى، لكن بمجرد أن تتعطل آلية التحكم وتتجمد إمكانات الضبط في هذه الآلة لتأثيرات داخلية أو خارجية، فالجسم يدخل في المآزق، أي الأزمة. وفي هذه الحالة يجتهد النظام من جديد لخلق التوازن، إما بالسعي للعودة إلى الحالة الجديدة، وإما خلق نظام آخر أكثر تركيباً عن طريق التكيف مع المعطيات الجديدة. إذا كان هذا عن الجسم، فماذا عن أزمات المجتمعات؟ إن الأزمة كما يبدو مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفكرة الاضطراب وبروز ظواهر أو تفاصيل تشوش السير العادي للأنساق والمنظومات، وما دام أن المنظومات قادرة على احتواء الشذوذات وضمها ضمن الكل دون تركها تؤثر على توازن الكل فلا حديث عن الأزمة، لكن بمجرد أن تكثر الاختلالات ويعجز الكل عن ضبطها، فنحن في قلب الأزمة. يؤكد إدغار موران على أن كل نظام حي أو كل نظام اجتماعي، يتضمن بالضرورة الفوضى في داخله، لكن هذا النظام يسعى لاحتواء هذه الفوضى، عن طريق كبتها أو إفراغها من أهميتها أو تصحيحها أو تحويلها أو إدماجها… وفي حال ما عجز النظام عن فعل ذلك، وفشل في لمّ شمل التناقضات والاختلالات في توليفة متناغمة، فإن النسق الكلي يكون مهدداً بل قابلاً للانفجار، إنها الأزمة باختصار.
يضيف إدغار موران أن أي أزمة تلمّ بمجتمع معين تحفز عنده مسارين مختلفين ومتناقضين، وهما: أولاً، النكوص والارتماء في خلاص ماضوي والتعلق بمنقذ قدري، والعمل على إدانة المذنب، سواء أكان هذا المذنب الذي سبب الأزمة حقيقياً، أم كان إدانة لمذنب خيالي، باعتباره كبش فداء نسعى للتخلص منه. وفي هذه الحالة تصبح الأزمة عاملاً للتراجع.

اضف رد