إدغار موران… السبيل لأجل مستقبل البشرية

عبدالدائم السلامي
القدس العربي
15042019

تونس ـ «القدس العربي»: إدغار موران مفكر وعالِم اجتماع وعالِم أنثروبولوجيا معاصر ولد سنة 1921 في باريس. عمل في الصحافة وشغل منصب رئيس بحوث خبير في المركز الوطني للبحوث العلمية (CNRS). وقد نشر موران عدة كتب نذكر منها «الطريقة» و«مدخل إلى الفكر المركب» و«التركيب الإنساني» و«الإنسان والموت» و«السينما أو الإنسان التخييلي» و«عنف العالم»، و«مع ماركس وضده»، و«شياطيني» و«ثقافة أوروبا وبربريتها». ولعل أهم هذه الكتب هو كتاب «السبيل، لأجل مستقبل البشرية» الذي ترجمه بشير البعزاوي، أستاذ الفلسفة في جامعة صفاقس التونسية، وراجعه ناجي العونلي وصدر عن منشورات الجمل (بيروت 2019).

يتضمن الكتاب، إضافة إلى التوطئة والمقدمة العامة والخاتمة، أربعة أجزاء، أولها بعنوان «سياسات البشرية»، ويتضمن فصولا حول تجديد الفكر السياسي، وسياسة الإنسانية، وسياسة الحضارة، وسؤال الديمقراطية، والديموغرافيا، والشعوب الأصلية، والسبيل الإيكولوجية، والماء، والسبيل الاقتصادية، واللامساواة والفقر، وإبطال البيروقراطية المعممة، والعدالة والقمع). وضم الجزء الثاني المعنون بـ«إصلاح الفكر والتربية» فصول إصلاح الفكر وإصلاح التربية، والديمقراطية المعرفية). وفي الجزء الثالث وهو بعنوان «إصلاح المجتمع» نلفي فصول الطب والصحة، والمدينة والموطن، والزراعة والريف، والتغذية، والاستهلاك، والعمل). ويضم الجزء الرابع وهو حول «إصلاح الحياة» الفصول التالية: سبيل إصلاح الحياة، وسبيل إصلاح الأخلاق، والعائلة، ووضع المرأة، والمراهقة، والشيخوخة والهرم، والموت.
يتطرق هذا الكتاب، مثلما يدل على ذلك عنوانه، إلى أهم المشكلات التي تعيشها الإنسانية زمن العولمة. وهو ما عبر عنه إدغار موران بشكل جلي في كتاباته المتنوعة التي تجمع بين دقة التشخيص وجذرية النقد في كتابه «الأرض ـ الوطن» ثم في كتابه «سياسة الحضارة» وبأكثر تدقيق وصرامة في هذا الكتاب «السبيل، لأجل مستقبل البشرية»، مبينا في الآن نفسه صعوبة هذه الظاهرة وجوانبها المخفية وانعكاساتها الثقافية والحضارية وآفاقها المستقبلية، وآخذا في الاعتبار النتائج الصعبة، بل الكارثية المترتبة على العولمة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية من قبيل ارتفاع مستويات الفقر والتفقير وتزايد قيم الفردانية والأنانية وسلْعنة الإنتاج البشري وانتشار مظاهر الإقصاء والتهميش وما يتبعهما من تفكك اجتماعي.
فمع التوسع العالمي للاقتصاد النيوليبرالي، يُقر إدغار موران بأن مسار العولمة الاقتصاديةِ قد صار كَونَنَة (globalisation). أي أن الكوْنَنَةُ هي المرحلة الراهنة للعوْلمة. وهي ثمرةٌ لاقتران مستمر وارتدادي بين الازدهار الجنوني للرأسمالية التي تجتاح تحت رعاية الليبرالية المُحْدثة، القارات الخمس، وبين ازدهار شبكة الاتصالات الفورية (الفاكس، الهاتف المحمول، الإنترنت).

الوعي بالحاجة الحيوية لتغيير السبيل لا ينفصل عن الوعي، بأن مشكل الإنسانية الكبير لن يكف في كونه في كثير من الأحيان، تلك الحالة من العلاقات البائسة والوحشية بين الأفراد والجماعات والشعوب.

هذه الكونَنَة يقول موران «حملتْ أيضا ثلاثة مسارات ثقافية هي في الآن نفسه، متكتلةٌ ومتضادة: من جانب، مسار مجانسة وتنميط طبقا لنماذج أمريكا الشمالية؛ ومن جانب آخر، مسارٌ مضاد تنخرط فيه أشكال المقاومة وازدهارِ ثقافات السكان الأصليين؛ وختاما، مسارُ تهجين ثقافي». وقد أدى هذا المسار الثلاثي الأوجه (عولمة، تنمية، تغريب)، إلى إنتاج ثروات طائلة، وإلى الحد من أشكال الفقر القديمة وخلق طبقة متوسطة جديدة على الشاكلة الغربية في البلدان الناشئة، لكنه ساهم أيضا في حالة البؤس التي تشهدها جميع بلدان الجنوب. كما زاد مسار العولمة هذا من أوجه التفاوت ومن نسبة المصائب الهائلة إلى جانب تدمير ثقافي وتراجع أشكال التضامن التقليدية وانغلاق التجمعات الاقتصادية والسياسية على نفسها.
وللمضي نحو التحول، يرى موران أنه من الضروري تغيير السبيل. بيد أن الوعي بالحاجة الحيوية لتغيير السبيل لا ينفصل عن الوعي، بأن مشكل الإنسانية الكبير لن يكف في كونه في كثير من الأحيان، تلك الحالة من العلاقات البائسة والوحشية بين الأفراد والجماعات والشعوب. كما أن السؤال الضارب في القِدم حول تحسين العلاقات بين البشر، الذي أثار الكثير من التطلعات الثورية والكثير من البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإتيقية، بات سؤالا وثيق الارتباط بالسؤال الحيوي للقرن الحادي والعشرين، نعني سؤال السبيل الجديدة ومشكل التحول. على أن التحالفات والتطورات والالتقاءات، هي ما سيسمح باتباع سُبل من شأنها أن تتقاطع لتُشكل «السبيل». ذلك أن الإصلاحات السياسية لوحدها والإصلاحات الاقتصادية لوحدها والإصلاحات التربوية لوحدها وإصلاحات الحياة لوحدها، كانت وما تزال وستبقى غير كافية ومحكوم عليها بالفشل. إذ ليس بإمكان أي إصلاح أن يتطور إلا في ظل إصلاحات أخرى متزامنة. إن السبل الإصلاحية متلازمة ومتفاعلة ومترابطة. وهو ما يُفسر استماتة موران في الدفاع عن ضرورة التفكير المركب. فوحده الفكر القادر على استيعاب التركيب ليس في حياتنا ومصيرنا وفي علاقة الفرد/ المجتمع/ النوع وحسب، وإنما أيضا في عصر العولمة، بإمكانه إجراء تشخيص لمسار تصيرنا الحالي وتحديد الإصلاحات الحيوية الضرورية لتغيير السبيل. ووحده إذن، الفكر المركب كفيل بدعمنا في الإعداد للتحول الاجتماعي والفردي والأنثروبولوجي في آن.
وعليه فإن أهمية هذا الكتاب تكمن في تصور موران لسُبُل إصلاحية يُفترض أن تسمح بالتقليل تدريجيا من أسوأ أشكال التفاوت من خلال سياسة شاملة (سياسة إنسانية وسياسة حضارية) ومن خلال سياسة وطنية تُقلل من الفوارق في مستوى المعيشة وتُجدد روح التضامن وتُحارب الفساد، وأخيرا من خلال إصلاح الحياة والإصلاحات الإتيقية التي تُيسر فهم بؤس ومآسي الغير. فكل فرد يستطيع اليوم أن يعمل من أجل البشرية ولصالحها، أي أن يُسهم في إدراك المصير المشترك للجميع، وأن ينخرط فيه بوصفه مواطنا من مواطني الأرض ـ الوطن. لذا، يتعين علينا، وفق موران، الالتزام أو المضي بحماس وشغف في كل السبل الإصلاحية من أجل تحقيق السبيل التي ستمنع البشرية من أن تُستعبَد أو تُدمر عبر تضخم القوى التي أحدثتها هي نفسها ولم تعد قادرة على مراقبتها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*