الرئيسية / أخبار المصارف / إخفاقات ترامب تهدّد الاقتصاد العالمي

إخفاقات ترامب تهدّد الاقتصاد العالمي


مروان اسكندر
النهار
04012019

بنهاية سنة 2018 برزت مخاطر الرئيس الاميركي واخفاقاته على الصعيدين الاميركي والدولي واصبح هنالك خوف حقيقي من تراجع معدلات النمو في الولايات المتحدة ومن ثم الصين ودول الاتحاد الاوروبي.

لا بد من استكشاف فشل ترامب في تحقيق النتائج التي رغب في تحقيقها وأول ما يجب الانتباه له ازمة الموافقة على ارقام موازنة 2018/2019 التي كان من المفترض انجازها قبل نهاية السنة، والخلاف بين ترامب والكونغرس الذي تصبح غالبية اعضائه من الديموقراطيين يوم نشر هذا المقال يهدد وسائل عمل الديموقراطية في اقتصاد يشكل نسبة 22 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي، فما هي اسباب الخلاف وردود فعل ترامب؟

خلال حملته الانتخابية عام 2016 تعهد ترامب بناء جدار على طول الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك وان يفرض على المكسيك تحمل تكاليف هذا الجدار الذي يحول دون تدفق المكسيكيين الى الولايات المتحدة بصورة غير قانونية. ومعلوم ان عدد الناطقين اللغة المكسيكية اصبح يفوق في ولاية كاليفورنيا عدد الناطقين الإنكليزية. ويبلغ عدد سكان كاليفورنيا عدد سكان فرنسا. كما تعهد خفض عجز الموازنة وكان يشكو من انحدار مستويات الفائدة الى حد بعيد.

اسباب تخوف ترامب من تدفق المهاجرين غير الشرعيين من المكسيك الى الولايات المتحدة، ولا سيما منها كاليفورنيا وتكساس، معروفة ومبررة، لكن وسائل معالجتها غير مقنعة، خصوصاً ان الولايات المتحدة مرتبطة باتفاق للتجارة الحرة مع كندا والمكسيك.

حينما استشعر ترامب تراجع شعبيته من نتائج الانتخابات للكونغرس وحكام الولايات، بدأ يخشى على عهده ويتخوف من خسارة الانتخابات الرئاسية سنة 2020. وإضافة الى نتائج الانتخابات، واجه تراجعًا في الاداء الاقتصادي وعجزًا عن فرض سياساته، فراح يتخبط في البحث عن سياسات شعبوية وخاطر في التعبير بتغريداته عن انه قد يغلق الحدود مع المكسيك، وتالياً يلغي اتفاق التجارة الحرة مع المكسيك. ولا بد هنا من القول ان عملاً كهذا يسهم في الحد من توقعات النمو في الولايات المتحدة من معدل 3 في المئة سنويًا الى معدل 1.9 في المئة والمؤشرات متعددة.

من اسباب تخوف ترامب على الصعيد الاقتصادي، التزامه خفض عجز الموازنة وارقام الموازنة العالقة في انتظار توقيعه تنطوي على عجز يساوي 980 مليار دولار أي ما يقرب من نسبة 5 في المئة من الدخل القومي، وهذه النسبة مخيفة لبلد تعتبر عملته مرتكز الادخار العالمي.

اليوم نسبة 25 في المئة من دوائر الحكومة الاميركية لا تعمل لان ترامب لم يوقع وهدد بانه لن يوقع مراسيم الموازنة، وهو يفترض أن الازمة ستبدو واقعة على اكتاف الديموقراطيين في حين ان المعاندة هي على كتفيه.

ويزيد حراجة الموقف ان ما يهدد به ترامب يخالف الدستور الاميركي، فهو يستغل امكان عصر الاقتصاد لكسب الشعبية، في حين أنه أصبح من الواضح ان ترامب ليس مؤهلاً لقيادة بلده ضمن اصول الممارسة الديموقراطية والمسؤولية المالية العامة.

بضعة مؤشرات على الصعيد القومي بدأت تظهر مفاعيلها السلبية لسياساته التي تتجه نحو ارساء علاقات مع دول وكتل معينة تصب في مصلحة الولايات المتحدة بدل اعتماد سياسات تواكب مساعي العولمة التي نادى بها الاميركيون منذ سنوات، وسنعرض لإخفاقين يسهمان في تقليص فرص النمو والازدهار وتحقيق التقدم التكنولوجي في الولايات المتحدة.

الاخفاق الاول تجلى في فشل سياسة ترامب بخفض معدل الضرائب على الشركات من أجل دفع الشركات الاميركية نحو تحويل ارباحها الناتجة من أعمالها المجمعة الخارجية والبالغة 1.9 تريليون دولار الى الولايات المتحدة لزيادة رساميلها وشراء قسم من سنداتها واسهمها من السوق وتالياً زيادة السيولة بعد وقف برامج المساعدات الكمية التي اقرت لمواجهة ازمة 2008 التي واجهت العالم بامكان التحول الى ازمة كساد.

وزير المالية للولايات المتحدة اعتبر ان تطبيق سياسة خفض الضرائب ستسهم في رفع اسعار الاسهم والسندات وتنشيط البورصة والاستثمار التطويري للشركات الاميركية، لكن هذه التوقعات لم تتحقق. فتحويلات الشركات الاميركية من حساباتها الربحية في الخارج لم تتجاوز نسبة 10 في المئة من الاحتياطات المتكونة لديها وتخصيص هذه الارباح لشراء الاسهم من حامليها والاستثمار في تطوير التجهيز الترسملي لم تؤد الى تحسين معدل النمو أكثر من 0،7 من واحد في المئة، وبنهاية سنة 2018 كان معدل اسعار الاسهم ادنى مما كان في 2010 أي بعد سنتين من تفجر الازمة المالية العالمية.

خلال السنوات 2010 وحتى نهاية 2018 كان معدل نمو الاقتصاد الصيني إما ثلاثة أضعاف نمو الاقتصاد الاميركي وإما على الاقل ضعفي نمو هذا الاقتصاد، وتالياً اصبح الاقتصاد الصيني القطب الثاني في مسيرة النمو العالمي. وها هو ترامب يؤخر ثلاثة اشهر بالاتفاق مع الرئيس الصيني تطبيق الرسوم الجمركية على المستوردات من الصين، وان هو تبرم من المحادثات مع الصينيين وعجل في فرض الرسوم الجمركية التي تقابلها اجراءات مماثلة في الصين على المستوردات من الولايات المتحدة، يواجه العالم ازمة اقتصادية قد تطول وعلى الارجح تلقي بثقلها على الاقتصاد العالمي الى حد يتجاوز ما شهدناه عام 2008. كذلك من المرجع أن تنخفض قدرة الشركات التكنولوجية الاميركية على تحويل قسم من ارباحها الى الولايات المتحدة لان ممارسة هذه الشركات اصبحت خاضعة لقوانين احتساب الارباح بدقة في بعض الدول، وبعض ممارسات هذه الشركات مخالفة للقانون. فشركة “غوغل” اخضعت لضرائب في اوروبا بلغت 5 مليارات دولار لممارستها الاحتكار، وشركة “فايسبوك” اخضعت لضرائب توازي 1.5 مليار دولار ولإجراءات قانونية تتعلق بنشر معلومات شخصية دون استئذان اصحابها فهبطت قيمة اسهمها بنسبة 50 في المئة خلال سنة 2018.

الاخفاق الثاني برز من نتائج سياسات ترامب في محاولة ضبط الهجرة الى الولايات المتحدة لاختصاصيين في برامج المعلوماتية والاطباء والمهندسين المميزين. فالولايات المتحدة أحرزت تقدمًا كبيرًا في مجالات برامج المعلوماتية والذكاء الاصطناعي من تدفق علماء المعلوماتية وبرامجها من الهند والصين وكوريا وبعض البلدان الاوروبية كفرنسا. وللتذكير تجدر الاشارة الى ان شرحات chips اختزان البرامج والمعلوماتية اخترعها فرنسي. وفي نطاق تطبيق برامج المعلوماتية في التصنيع والتطوير المستمر ربما حققت المانيا خطوات تجاوزت ما حققه الاميركيون.

خلال سنة 2018 ارتفع عدد العلماء في التطبيقات الالكترونية الوافدين من البلدان المشار اليها الى كندا بنسبة 50 في المئة وانخفض عدد الوافدين الى الولايات المتحدة بنسبة أكبر وذلك لصعوبة الحصول على التأشيرة الاميركية التي تسمح بالعمل والاقامة في الولايات المتحدة مقابل التسهيلات الممنوحة من كندا وحتى من الصين التي حققت خطوات بارزة، ربما من مظاهرها الواضحة تقدم مبيعات شركة “هواوي” من الهواتف المحمولة على عدد مبيعات شركة “آبل” التي تصنع “الآي فون” في الصين.

موقف الرئيس ترامب من توقيع مراسيم الموازنة الاميركية يضعف الثقة بالدولار وسوق الاسهم الاميركية، كما ان الضغط الدولي على شركات برامج وانتاج معدات تطبيق برامج المعلوماتية في الطب والتصنيع والتعليم سيضعف دور الشركات الاميركية التي بدا كأنها المسيطرة دوليًا في هذا المجال الذي هو اوسع تأثيرًا من الثورة الصناعية اواخر القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر.

أوروبا التي بدأت تشهد توسع اعداد الاحزاب اليمينية وقوتها، والتي تشهد تطورات متسارعة على هذا الصعيد في أسوج وايطاليا وفرنسا، والتي تواجه حال انقسام عميق حيال انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوروبي وامكان تعثر جهود الحفاظ على وحدة اسبانيا، غير قادرة على احتلال موقع اقتصادي عالمي يعوض انحسار الدور الاميركي، وتالياً فإن العالم، الى ان يتعقل دونالد ترامب، مهدد بانكساف اقتصادي مخيف.

اضف رد