الرئيسية / home slide / إحياء الاقتصاد آخر هموم الدولة

إحياء الاقتصاد آخر هموم الدولة

03-08-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

غسان العياش

غسان العياش

أسواق بيروت المهجورة (تعبيرية – نبيل اسماعيل).

اقتصاديون #لبنانيون ومسؤولون سابقون عقدوا اجتماعات متوالية على مدى الأشهر الماضية لبحث الأزمة الخطيرة التي يمرّ بها لبنان، وأصدروا توصيات وجّهوها إلى المجلس النيابي الجديد ونشروا بعضها في وسائل الإعلام. في اجتماعهم الأخير ركّزوا على أهمّية الموازنة العامّة بعد انقضاء سبعة أشهر على الموعد الدستوري لإقرار موازنة سنة 2022 دون إنجازها، رغم الظروف الحرجة التي تمرّ بها البلاد.

لقد أضاف الرئيس نجيب ميقاتي بعدا جديدا إلى قانون الموازنة اعتبارا من هذا العام، عندما ربط إمكانية مساهمة الدولة جزئيا في ردم خسائر النظام المالي واسترداد الودائع بتحقيق فائض في الرصيد الأوّلي للموازنة. ورغم الشعارات الحماسية التي أطلقت هنا وهناك منذ انفجار الأزمة واحتجاز الودائع، فقد بات مسلّما به أنه بدون مساهمة الدولة في ردم الخسائر لا أمل مطلقا بحفظ الحقوق المقدّسة للمودعين، كليا أو جزئيا.

إن هذا الفائض لا يساهم فقط في حلّ مشكلة المودعين، المدمّرة للاقتصاد والمجتمع، حاضرا ومستقبلا، بل هو أيضا، وبصورة خاصّة، يساعد على إعادة إطلاق الاقتصاد اللبناني المنهار. وهو هدف لا يقلّ أهمّية عن استعادة الودائع لأنه يساهم برفع معدّل النموّ الاقتصادي وتخفيض البطالة ويحدّ من تسارع عجوزات الموازنة، كما أنه يلجم جنون التضخّم ويوقف سقوط المجتمع اللبناني المتمادي نحو الفقر المدقع.

على الهامش، إن كل السياسات الحكومية – إذا وجدت – في مواجهة الأزمة لم تخصّص للنموّ الاقتصادي ما يستحقّه من اهتمام كبير، بل اقتصر خطابها “الإصلاحي” على استهداف الخروج من الأزمة المالية وردم الفجوة في النظام المالي، بطرق مرتجلة وتعسّفية معظم الأحيان. وكل ما تضمّنته خطّة التعافي الحكومية، وخطّة التعافي التي سبقتها في هذا الشأن لم يتعدّ حدود الشعارات الرنّانة، دون إظهار نيّة حقيقية أو خريطة طريق مقنعة لإنعاش الاقتصاد.

همّ السلطة السياسية أوّلا هو منع انفلات سعر الصرف، أكثر ممّا هو منفلت. ولا تؤدّي السياسات المتّبعة لحماية سعر الصرف إلا للمزيد من خنق التسليف، وهو الطريق الشرعي لاستعادة حيوية الاقتصاد اللبناني. يتابع التسليف المصرفي تراجعه فيعكس تراجع دور الوساطة المصرفية في تمويل الاقتصاد. في العام الجاري، على سبيل المثال، يتوقّع أن يتراجع التسليف بنسبة 18% وفقا لتقديرات مؤسّسة “فيتش” بعد تراجع التسليف على نحو كبير منذ بدء الانهيار المالي والاقتصادي. لكن الإحصائيات المنشورة لجمعية مصارف لبنان تظهر أن تسليف القطاع الخاص تراجع بنسبة 24 بالمئة بين أيار 2021 وأيار 2022.

السياسة المالية، التي تعبّر عنها موازنة الدولة، هي الوسيلة الأهمّ بيد الحكومة لمنع الركود وإطلاق النموّ. رغم كل ما يُقال عن المضمون الإصلاحي لمشروع موازنة 2022، فإننا من خلال مراجعة المشروع المذكور لا نستطيع أن نلمس أو نتبيّن توجّهاته الإصلاحية وادّعاءات الحكومة في هذا الصدد. فهو لا يُظهر إلا الجهود المضنية لإيجاد الموارد المالية لتغطية جزء من النفقات، التي يطغى عليها طابع الإنفاق الجاري مع تخصيص اعتمادات محدودة للمساعدات الاجتماعية.

ولا يمكن إثبات المشروع الإصلاحي للدولة من خلال قراءة وتحليل التقديرات المنفصلة لكلّ سنة مالية على حدة. إن إثبات التوجّه الإصلاحي والتنموي يكون بإعداد موازنة لفترة قد تصل إلى خمس سنوات تُظهر التقدّم السنوي المتدرّج في إصلاح الإيرادات والنفقات العمومية وهيكل الإدارة العامّة ونتائج المؤسّسات المملوكة من الدولة.

من المفروض أن تستند هذه الموازنة العائدة للسنوات الخمس إلى تقديرات صحيحة وأرقام موثوقة من قبل الرأي العام والأسواق المحلية والخارجية إضافة إلى المؤسّسات المالية الدولية، وهذا يفترض صدورها عن سلطة سياسية كفؤة ونظيفة وذات مصداقية. ويُفترض أن تبيّن نتائج موازنات السنوات الخمس المترابطة انخفاضا سنويا متدرّجا في عجز الموازنة والدين العام كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، بحيث تشهد نهاية هذه المرحلة انخفاض الدين العام إلى ما دون 100% من الناتج.

كل ما قيل عن تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية منذ اتّفاق الطائف، لا يمنع اعتبار انتخاب رئيس الجمهورية اعتبارا من الشهر المقبل مناسبة مهمّة وفرصة أمام النظام لإخراج البلاد من المحنة. لقد علّمتنا تجربة العهد الحالي أهمّية انتخاب رئيس جديد يتمتّع بالرؤيا والبصيرة والمعرفة بحسن إدارة البلاد وكذلك القدرة على قيادة لبنان نحو المستقبل، بدل ممارسة القوّة المزعومة في تكريس المصالح الفئوية وإذكاء الانقسامات ورفع المتاريس بوجه الأخرين.