الرئيسية / home slide / إجماع سعودي ـ إيراني على حساب المسلمين!

إجماع سعودي ـ إيراني على حساب المسلمين!

 جلبير الأشقر
 القدس العربي
29072020

تدور في خفاء متعمّد خلف ظهر الشعوب مناورات سياسية مقيتة تكشف طبيعة الأنظمة والقوى السياسية على حقيقتها، بعيداً عن ادّعاءاتها التي تهدف إلى إيهام قواعدها الاجتماعية بأن الأنظمة تنتصر لمصالح شعوبها أو تعمل بوحي مبادئ سامية، أو الإثنين معاً، بينما الحقيقة هي أن المصالح المادية للأنظمة وللمشرفين عليها هي الاعتبارات الوحيدة التي تحرّكها.
وقد يكون أسطع مثال على هذا الانفصام بين الادّعاء والحقيقة موقف المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهما تتنافسان تنافساً وصل إلى حدّ العداء المطلق في زعم كل منهما أنها خير من يرفع راية الإسلام وينتصر لمصلحة المسلمين، موقف الدولتين إذاً من القوة العظمى التي ترتكب أبشع أنواع الاضطهاد بحق مسلمين بوحي من رهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) في عالمنا المعاصر، ألا وهي الصين.
لقد بات معروفاً حجم الاضطهاد الشنيع الذي يتعرّض له شعب الأويغور في مقاطعة سنجان (التسمية الصينية هي شِن جيانغ، وهي «شنجاك» بلغة الأويغور التي تستخدم الأحرف العربية) في الصين. فقد نشرت منظمات حقوق الانسان العديد من التقارير والشهادات التي تصف ما يمكن نعته بحملة إبادة جماعية بالمعنى الذي كرّسه القانون الدولي لهذا المفهوم القانوني غداة الحرب العالمية الثانية في ضوء ما شهدته من ذروة في الإبادة الجماعية اقترفتها ألمانيا النازية. ذلك أن ممارسات الحكم الصيني إزاء الأويغور تتضمن فرض الإجهاض والتعقيم على النساء وحشد الرجال في معسكرات اعتقال ضخمة (عدد المعتقلين يُعدّ بمئات الآلاف، ويتعدّى المليون في بعض التقديرات)، ناهيكم من حظر ممارسات المؤمنين والمؤمنات من رخي اللحى والتحجب وسواها.
وقد أدانت الحكومات الغربية وتدين باستمرار اضطهاد الحكم الصيني للمسلمين الأويغور، بل جعلت منه واشنطن ذاتها أحد عناوين حملتها السياسية على بكين، وذلك من باب النفاق بالطبع، إذ إن الإدارة الأمريكية الحالية إدارة معادية للمسلمين كما أثبتت بما يكفي ويفي، ولو بقي ما قامت به في هذا الصدد باهتاً بالمقارنة مع فظاعة الجريمة التي يرتكبها الحكم الصيني والتي تنتمي إلى فئة الجرائم ضد الإنسانية. هذا وقد بات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والذي تقاطعه الولايات المتحدة، مسرحاً للإدانات الغربية للممارسات الصينية، وقد سبق أن علّقنا على هذه الصفحات («لا تنصر أخاك مظلوماً إن كان ظالمه شريكك»، 16/7/2019) على ما جرى في ذلك المجلس خلال دورة حزيران/ يونيو في العام الماضي. وقد تكرر المشهد المقيت والمخزي قبل شهر، حيث صدر بيان عن 46 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتاريخ الأول من تمّوز/ يوليو الجاري، سنكتفي هنا باقتباس أهم قسم فيه لعدم الإطالة، وقد جاء فيه:

نشرت منظمات حقوق الإنسان العديد من التقارير والشهادات التي تصف ما يمكن نعته بحملة إبادة جماعية بالمعنى الذي كرّسه القانون الدولي لهذا المفهوم ضد الأويغور

«نسجّل بقلق أن الإرهاب والنزعة الانفصالية والتطرّف قد تسبّبت بضرر عظيم لأناس من كافة الجماعات الإثنية قي شِن جيانغ، الصين، بما تعدّى على حقوقهم الإنسانية بشكل خطير. ونسجّل بتقدير أن الصين اتخذت جملة من التدابير للردّ على التهديدات وبتوافق مع القانون، من أجل ضمان حقوق الإنسان لكافة الجماعات الإثنية في شِن جيانغ. فلم يحصل أي اعتداء إرهابي في شِن جيانغ خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وقد أعيد استتباب الأمن والاستقرار في شِن جيانغ، وتمّ ضمان حقوق الإنسان فيها للناس من كافة الجماعات الإثنية وبفعالية.»
هذا البيان المقزّز بصفاقته الخبيثة وباحتقاره للحقيقة ولحقوق الإنسان التي يدّعي الحرص عليها، وقّعت عليه، إلى جانب حلفاء بكين التقليديين في المحافل الدولية، اثنتا عشرة دولة من دول منطقة الشرق الأوسط (ولم توقع عليه أي من دول المغرب)، يمكن تلخيص وصفها بأنها المملكة السعودية وحلفاؤها والجمهورية الإيرانية وحليفتاها. هذه الدول هي: من جهة، المملكة السعودية ومعها الإمارات المتحدة والبحرين وعُمان ومصر واليمن والسلطة الفلسطينية، فضلاً عن والسودان وباكستان اللتين هما وثيقتا الارتباط بالصين منذ زمن طويل؛ ومن الجهة الأخرى، إيران ومعها العراق وسوريا.
وبالرغم من أننا ألِفنا أن يصل النفاق إلى أقصاه في سياسات منطقتنا، يبقى هذا المشهد مقرفاً للغاية، لاسيما أن بعض الدول المذكورة يخوض في مزايدة مستمرة على بعضها الآخر في ادّعاء تمثيل الإسلام والمسلمين. ولا عجب بالتالي في أن يتحمّس أمين عام «حزب الله» («حزب ولاية الفقيه» على حدّ قوله) في لبنان للعلاقة بالصين حلّاً لأزمة البلد الاقتصادية، وكيف لا وطهران على وشك أن توقّع مع بكين اتفاقية تجارية وعسكرية مهمة، سوف تنضاف إلى سجل العلاقات التجارية والعسكرية التي حاكتها الصين مع شتى دول المنطقة، بما فيها الدولة الصهيونية عينها.

كاتب وأكاديمي من لبنان