الرئيسية / مقالات / إبن المقفّع على خط المادة 95

إبن المقفّع على خط المادة 95

لكل وطن سنته الطقسية. وطننا في مرحلة الجَلد ما قبل رتبة الصَّلب. تعلّم على يد جلّاديه أن يلقي التحية على جراحه مع تعاقب العهود. يحمل صليبه على درب جلجلة متناسلة. وجعٌ عَجوز بحاجة الى معجزة. إكليلٌ من أكاذيب مروّسة الرأس كالإبَر يطوّق جبينه. مسامير غليظة تنتظِرُ معصميه. قريباً نراه ممدود اليدين مشدود الرِّجلَين.

شعبٌ مصنوع من فولاذ الإنتظار. ربطة الخبز عالقة في أفران مصرف لبنان. البنزين غصَّة على أفواه الخراطيم. الفُجّار يأكلون أموال التجّار. أمام هول ما يجري نترقّب هبوب وطننا على أحرّ من الفقر. آمالنا مخيّطة بالجراح ومغسولة بدموع الموعودين. أما سياسيّونا فَسِلال مهملات أخلاقية. كل نفايات الضمير داخلها. الموالاة كنبة وثيرة. المعارضة كنبة منجّدة. إيديولوجيا الإذلال تُنجِب في بلَدِنا رِجالاً جياعاً. الجائع يأكل من لحمه والمتخم يأكل من لحم الجائع.

يحدث فقط في لبنان أن يتعلّم أولادُنا من حلاوة أرواحنا ليحلموا بقاعة المغادرة في المطار. الطائرة صارَت ربَّ عمل والغربة وظيفة لائقة. فقط عندنا نفرزُ تعبنا من المصدر فلا يبقى منه إلا محارم الحسرة وثقافة التنهّد.

عندما تستحيل السلطة جيش احتلال تُصبح المطالبة بالإنتداب مطلباً شرعياً. إنتداب أي هولاكو، أي جنكيزخان، أي مغولي متمدّن أهون على اللبنانيين من مغول الداخل يسرحون في دمنا ويمرحون فوق ضرائحنا.

يهجم علينا النقاش الدستوري في هذه الأيام. خرطوش دمدم من طراز المادة 95. إلغاء طائفية الوظيفة. مناصفة. نقاش من روائع أساطير لافونتين وابن المقفّع. بعد ثلاثين سنة من الطائف يدور النقاش حول تفسير مادة وبند وباب. الوفاق الوطني بالمرصاد. أي مساس بإله أو نبي أو مُرسَل أو طوباوي سيُؤدي إلى قتل الإصلاح برصاص الوفاق الوطني.

تعب الله مِنّا. أرسلَ إلينا أكبر عدد من الطوباويين والقديسين. قتلناهم جميعاً. منهم من قُتِل بصلاةٍ كاذبة ومنهم بنيران صديقة. لن يجترحوا لنا بعد اليوم أي معجزة. معجزة تفاهتنا أعيَتهُم.

ديوننا جبلة إسمنت صُبَّت فوق أرجُلِنا. جلّ ما ننتظره من حكامنا إلقاؤنا في البحر. مراسم دفننا سنشارك فيها شخصياً. فقط في لبنان يمكن أن يكون الفقيد والمعزّي بالفقيد الشخص نفسه. نحن نعيش نصف عيشة ونموت نصف موت.

ملهاتنا الجديدة ملابس رئاسة الجمهورية. مأساتنا الجدل على الملابس. لا أحد لخياطة ملابس الوَطَن. دولة لابسة ومواطنون عراة.

غداً قضية قومية جديدة من طراز جورب أو حذاء أو زنّار ونازل. هبوط في بورصة الحضارة وارتفاع في منسوب السخافة.

سجون مكتظة بتجار الحشيشة ومكاتب مكيّفة مكتظة بتجّار السياسة. مشاريع بالكيلو وقوانين بالأرطال وتنفيذ بالأونصة.

بين موازنة أُنجِزت وأخرى على طريق الإنجاز نعيش على “عنزوقة” بين موازنتين. أرقام تتحدث عنّا من دوننا. موازنتان أشبَهُ بفروض مدرسية للناظر الأجنبي. إنجيل مالي يغنّي للإفلاس. قرآن إصلاحي من دون مصلحين.

لبنان على وشك أن يرتفع على العود. ترك له التجار خِرقة بالية تلتف على خصره. رماح مخضّبة بالخل جاهزة إذا عطش لكوبٍ من إصلاح.

قريباً ويصرخ لبنان: إغفر لهم يا أبتاه لأنهم يدرون ماذا يفعلون.

الغيوم الملبّدة ستشكّل نقابة للعاصفة. عندما تبكي السماء على لبنان سيبكي الطغاة على أرضه.

اضف رد