الرئيسية / أضواء على / إبحار في داخل امرأة فريدة… حنان الشيخ لـ”النهار” بعد الدكتوراه: حياتي عربة متنقّلة

إبحار في داخل امرأة فريدة… حنان الشيخ لـ”النهار” بعد الدكتوراه: حياتي عربة متنقّلة

الروائية حنان الشيخ في “النهار” بعد الدكتوراه الفخرية من الجامعة الأميركية (مروان عساف)

تسبقُها ضحكة الأطفال على وجهٍ مُخمَّر بالسنوات، وهي تدخل مبنى “النهار” في مساء بيروتي هادئ، بثوب يتأرجح ما بين الأحمر والبرتقالي. كانت لا تزال تلك اللمعة في عينيها، حين وقفت أمام دفعة الطلاب المتخرّجين من #الجامعة_الأميركية وتحدّثت عن مطاردة الحلم. تبتسم فتزداد بريقاً، في تأمّلها الجريدة بعد غياب، والجدران والصوَر. “النهار” بعضٌ من البدايات، “يا الله”، تقول حنان الشيخ، وهي تتذكّر الكتابات الأولى. تكرّمها الـAUB في حفل ضخم، فيتحدّث الدكتور فضلو خوري عن “الإلهام”، لتُخبر الجميع، في كلمتها بعد التكريم، أنّ النجاح هو قرار. في قاعة الاجتماعات بـ”النهار”، ووسط سكينة يوم الفرصة، تستعيد الأديبة والكاتبة اللبنانية “عربة الحياة” وهي تقودها نحو الغربة ونُبل الحرية.

حنان الشيخ في “النهار” (مروان عساف).

بدت سعيدة، فلطالما تمنّت حمل شهادة جامعية، خصوصاً من الـAUB. سعادتها الكبرى هي في حصولها عليها من دون المرور بامتحان الحساب. “أمقت الماتيماتيك، ولا أفقه أكثر من العدّ على أصابعي العشر”. وهي تتسلّم الدكتوراه، خطر في بالها لو أنّ السيدة لبوة، معلّمتها في المدرسة “العاملية” كانت حاضرة، لقالت لها: “أنا “الطش” في الصف ومع ذلك وصلت. مَن يؤمن بأحلامه يصل. فخورة لتسلّمي الشهادة نيابة عن كلّ الناس الحالمين”.

يتكرّم المرء عادة حين يكبر في العمر، بعد جهد السنوات، وفي أوطاننا، غالباً، بعد الموت. تعترف أنّها لطالما أحبّت الالتحاق بالجامعة الأميركية، لكنّها فضّلت الصحافة والكتابة على العلم. لم تكن حنان الشيخ تلميذة مجتهدة. استعجلت لتصبح صحافية. سنتان من التعليم الجامعي في مصر، عادت بعدهما  إلى لبنان للالتحاق بالصحافة وإصدار كتابها الأول “انتحار رجل ميت”. على وَقْع “فقسات” كاميرا الزميل مروان عساف، تقول: “تهيّأ لي أنّ ما قلته سيشكّل حافزاً للطلاب لمطاردة أحلامهم. بعضهم ربما قال في سرّه: “لم تكن مجتهدة، فانظروا أين أصبحت. يكفي أن نُصمم على النجاح وسننجح”. وبينما يعدّدون كتبي، تساءلتُ: “يا الله، هل سأستطيع اليوم كتابة ما يشبه “حكاية زهرة”؟ فأجبتُ نفسي: “مش ضروري أن أكتب مثلها. قد أكتب شيئاً مختلفاً”.

حنان الشيخ في “النهار” (مروان عساف).

الطفولة والأم: الحكاية “المفركشة”

نعود إلى النشأة، هي المولودة في عائلة شيعية، من قرية في جبل عامل، تراعي التقاليد المتعلّقة بالدين والنظرة إلى المرأة ومكانة الذكورة في العائلة والمجتمع. نسألها أن تروي حكاية تلك الطفلة التي صارت امرأة وكاتبة. أين أنتِ الآن منها، وأي صور، سلبية وإيجابية، تحفظينها عن تلك الطفولة؟ لا شيء يُضاهي متعة محاورة كاتب. تخال اللقاء قصيدة أو سردية أدبيّة ساحرة. تعود حنان الشيخ إلى رأس النبع. إلى “مبنى المتاولة”، حيث يسكن الشيعة، وسط جيران مسيحيين وبيارتة الأصل. “لم أعرف الجنوب إلا حين كان يزورنا الأقرباء محمّلين باللبن والحليب. لقد حلّ ضيفاً علينا في بيروت. كان والدي متديّناً، غير متعصّب. صمَّم على تعليمي وشقيقتي، وفي آن أرادنا أن نؤدّي الصلاة ونضع الحجاب. تظاهرنا بذلك. هذا في سنّ الثالثة عشرة تقريباً. عشتُ في الوسط بين ما يريد وما أريد. ذات مرّة لمحني من دون حجاب، فهدّدني بالضرب ونعتني بالكاذبة. صارحته بأنّ الله خلق لنا الشَعر لنُبقيه حراً، وإلا لِمَ فعل ذلك؟ فردّ: “سأرغمكِ على وضعه”. رفضتُ فراح يبكي: “لا أريد أن أراكِ في جهنّم”. مازحته قائلة إنّه سيكون في الجنة فكيف سيراني إذاً في جهنّم؟ ضحك. منذ ذلك الوقت خلعته عن رأسي”.

حنان الشيخ في “النهار” (مروان عساف).

لحنان الشيخ حكاية مع الأم، اتّخذت لوهلة هيئة الملامة، ثم ارتقت نحو التفهّم والغفران: “غادرتْ أمي المنزل وأنا في سنّ الخامسة، من أجل رجل تحبّه. كتبتُ (حكايتي شرح يطول) لها. أرغمتني على ذلك فاستجبتُ لرغبتها. أخبرتها بأنّني لا ألومها، بل على العكس أتفهّمها وأحبّها، ومع ذلك أصرّت على أن تتكلّم. “بدِك تسمعي. لو أستطيع الكتابة لما رجوتكِ”، قالت. “يلا بلشي”، فانطلقتْ. لم أصدّق ما سمعت. لم تكن متعلّمة، لكنّها اكتسبت المعارف من السينما والتلفزيون. بدأتْ على هذا الشكل: “حكايتي شرح يطول”، فجعلته عنوان الرواية. فظيعة”. يغادر المصوّر غرفة اللقاء، ليبقى المكان كلّه لنا. هي الصوت، وأنا الإصغاء. تصف قصّتها بـ”المشربكة”: “تزوّج أبي من أمي في سنّ الرابعة عشرة. قبلها كان زوج خالتي، أنجب منها ثلاثة صبيان وماتت. كان الأجدى بأمي كاملة، أختها الصغرى، أن تصبح الزوجة، “فتحنّ على الأولاد”، عوض زوجة أبٍ “من برا”. ظلموها. بدت مختلفة عن والدي المتديّن، الأكبر منها سنّاً. أنجبتني وأنجبت شقيقتي، ثم أُغرِمت بآخر ولحِقت قلبها. اشتقتُ لها في طفولتي، وتراءى لي أنّ زوجها أهمّ منّا، لذلك تفضّله. وخلتُ أيضاً أنّ المنازل هي التي تسرق مَن نحبّ، وليسوا هم مَن يختارون الرحيل. في البداية، لم تكن رؤيتها مسموحة، فكنّا نلتقي سراً، أو أمام باب المدرسة. إلى أن سمح لنا أبي التقيّ، صاحب القلب الطيّب برؤيتها. لم يحرمنا منها مرّة أخرى”..

شغف المكان وأشكال التمرُّد: الكتابة انتقام؟

يرنّ هاتفها، فتستأذن. “ألو (بلهجة أهل لندن)، عذراً نتحدّث لاحقاً”. ثم تتّخذ مكانها، ونُكمل الحوار. نسألها عن أشكال تمرّدها الأولى، والمكان الأحبّ إليها. ابتسامة هذه المرأة تريح الأعصاب. تُشعِر مَن حولها بالألفة. كأنّه حوارٌ “خوش بوش”. وفيما آخرون تمرّدوا بالرقص مثلاً أو التدخين وعادات أخرى، تمرّدت حنان الشيخ بالكتابة: “كنتُ في الخامسة عشرة حين بدأت الكتابة في “النهار”. أذكر زاوية “إلى نان” وهي اسمي من دون الحرف الأول منه. من خلالها عبّرت عن داخلي. كتبتُ كلّ شيء”. تسألين عن المكان الأحبّ إليّ. أجيبكِ أنّها اليمن. وجدتها بلداً “غريباً عجيباً”. أهوى القصص. منذ صغري وهي تطاردني وتحوم حولي. حياتي قصص، كاليمن تماماً. شعرتُ برغبة في معرفة الحقيقة. لكلٍّ حكايته، فأردتُ من الحكايات صدقها. جذبتي الصور اليمنية. “غير شكل”. لم أعتد هذا النوع من الطبيعة والأشكال الهندسية. بعد الحرب، عشتُ وعائلتي في السعودية، ومن هناك زرتُ اليمن. “جنّيت فيها”. أتنتقمين بالكتابة؟ تبتسم: “لا أعتقد. غادرتُ وطني إلى لندن مع بداية الحرب، فرحتُ أرى الأمور من بعيد. لماذا لندن؟ لحبّي الأدب الإنكليزي والبيتيلز. شعرتُ برغبة في الانتقام من حرب هدمت كلّ شيء. من هنا خرجت “حكاية زهرة”، كاختزال لحرب خارجية مسرحها الوطن، وحرب داخلية مسرحها الأنثى. رأيتُ الصراع الدموي من بعيد، فتساءلت: ما هذه الأديان التي أوصلتنا إلى الموت؟ عندها قرّرتُ تحرير الكتابة من العائق والسلطة. ما أفكّر به سأكتبه: الجنس، عضو الرجل، المرأة… تركتُ لزهرة في الرواية حرّية إبداء الرأي بكلّ ما يعنّ في رأسها”. 

“تغيّرين حياتنا بالكتابة” وبيروت الذهول

نتوقّف عند “حكاية زهرة”، أو حكاية المرأة في عالم الرجال. تعلم حنان الشيخ أنّ التجرؤ لا يزال حبراً على ورق على رغم أشكال التحرر والخطوات الإيجابية التي أحرزتها قضية المساواة بين الجنسين. ألا تزال الكتابة قادرة على التغيير؟ تراهاً نَفَساً وسلاحاً: “عربيات كثيرات، حتى في لندن، يجدن في أدبي ما يلهمهنّ للتغيير نحو الأفضل. “تُغيّرين حياتنا”، يقلن لي. أرمني بكى حين قرأ حكاية أمي. ذكّرته بعلاقته مع أسرته. علينا أن نغفر، قال. رآني وقد أصبحتُ والدة أمي، عوض أن تكون هي والدتي. أما في مسألة المساواة، فهذه قضية قانونية تتطلّب وقتاً. الهيمنة الذكورية طاغية، حتى في الغرب. نعم، الكتابة تُغيّر. تجعلنا نتفاعل. هي السلاح. لكن دعيني أقول إنّ كتاباتي ليست فحسب كتابة نسائية. أكتبُ عن المجتمع والإنسان، بحسناته ومساوئه. أكتب اليوم عن العرب في لندن. لا أستطيع الانفصال عن المكان حيث أكون. وإلا سأفقد صدقيتي”.

لا تزال الحرب اللبنانية التي كتبتها حنان الشيخ قائمة، متخذةً أشكالاً وأحوالاً شتى، ليس أقلها ما ينتهي إليه لبنان حالياً من انهيار في المعايير والقيم، ومن انحطاط وتخلّف وحقد وكراهية وتفكّك مجتمعي وصعود مذهبي وطائفي وتراجع ثقافي رهيب. أي مشاعر تستبد بكِ حيال هذه المصير؟ تحبّ بيروت، فتزورها شهراً في السنة: “لن أكمل الشهر هذه المرّة. أعلم بأنّني لا أستطيع العيش هنا. مَن يتذوّق معنى الديموقراطية والكرامة، سيعيد حساباته. الفرد هو المهم، بصرف النظر عن ماله وأصله وفصله. لم أغادر بيروت لخوفي من القناص فحسب. غادرتُ لأنني عجزتُ عن استيعاب ما يجري. “ما صدّقت شو عم بصير”. ذهول. “مش معقول” أنّهم أحرقوا دكّان جارنا جوزف الحلّاق لأنّه مسيحي. خفتُ بسبب طبعي الفضولي. ذات مرّة لمحتُ مسلّحين يجرّون شباباً، فلحقتهم ورجوتهم تخلية سبيلهم. حسناً أنني غادرت”. تعود إلى إشكالية المساءلة والمراجعة بعد الحرب: “حين اندلعت، لم نبحث في كيفية تفاديها. لم نقم بنقد ذاتي. لم نعتذر. لم نقل صراحة: لقد كنا غوغائيين. سيرة الحرب لا تزال “تابوو” عند البعض، حتى في الجامعات والمدارس. “ليش؟ خلونا نحكي. خلّونا نقول شو صار”. على مَن تُقرأ المزامير؟

الشعور أولاً

تهوى الطيّب صالح، أديب السودان البديع. “ترك في داخلي أثراً هائلاً. علّمني الكثير، كأن أكتب من دون خوف. أذهلتني “موسم الهجرة إلى الشمال”. أرى أنّ كاتبها كان يستحقّ “نوبل”. لمن تقرأين أيضاً؟ “أجدني قريبة من كتّاب مصر: صنع الله ابرهيم، جمال غيطاني، ابرهيم أصلان… أدبهم يحاكي الريف والمدينة والتفاصيل الصريحة. ملتُ في السابق إلى الموجة الجديدة، ككتابات ليلى بعلبكي. كما استوقفتني الوجودية والكتابة عن السأم والضجر. أحببتُ العبثية، فكتبت “انتحار رجل ميت” في سنّ التاسعة عشرة. الشعور يأتي أولاً، ثم الوصف”.

تكتب اليوم رواية تتطلّب منها كثيراً من الوقت: “أمرّ بظرف عائلي صعب”. نضعها بين ثلاثة احتمالات: هل أنتِ نادمة؟ خائبة؟ محبطة؟ “لا أعتقد أنني محبطة”، تجيب. “أشعر بحزن لإصابة زوجي بالألزهايمر، هو الحب ورفيق الحياة. تحدّيتُ التقاليد لنُكمل العُمر معاً، لكونه ينتمي إلى الدين المسيحي. أتألم لرؤيته اليوم إنساناً آخر. أحزن، لكن لا أيأس ولا أندم. بل على العكس، كنتُ محظوظة، فقد عشتُ حياة عنوانها التنوُّع. حياتي عربة، تتنقّل بي من مكان إلى آخر. مكوّنات المجتمع والصراع والاشتباكات، كلّها تمرّ أمامي فأدوّنها. حياتي غريبة. طفولتي جعلتني كاتبة. كأنّ الله اختارني في هذه العربة من أجل الكتابة: الجنوب، بيروت، الصحافة، الحرب، الغربة، الأم، زوجة الأب… “مش معقول”.

وفي الختام، تقول للمرأة: “لا تخافي. اكتشفي كنوزكِ”. وللذكور: “لا تكونوا فقط مَن يُشعل الحروب. “بلاش غرور”.

اضف رد