الرئيسية / مقالات / أي ملاحظات وأي حصيلة لزيارة موسكو؟

أي ملاحظات وأي حصيلة لزيارة موسكو؟

أصدرت وزارة الداخلية السورية أول من أمس الثلثاء، تزامنا مع زيارة الرئيس ميشال عون لروسيا، تعميما دعت فيه قادة الوحدات ورؤساء المراكز الحدودية إلى حسن استقبال المواطنين الذين غادروا سوريا عبر منافذ غير رسمية. وجاء في المرسوم أنه “نتيجة الظروف الأمنية التي تعرضت لها البلاد، الأمر الذي اضطر الكثيرين من المواطنين إلى مغادرة القطر من غير المعابر الرسمية، رغما عن إرادتهم وهربا من بطش المجموعات الإرهابية المسلحة، فإنه يتعين على قادة الوحدات ورؤساء المراكز الحدودية التقيد بحسن استقبال الراغبين في العودة إلى حضن الوطن”. كما طالبت وزارة الداخلية الجهات المعنية بإلغاء الإجراء الإداري الذي كان معمولا به سابقا في هذه الحال”. يعتقد البعض ان هذا البيان صدر للالتفاف على ما كان سيطلبه رئيس الجمهورية اللبنانية من نظيره الروسي فلاديمير بوتين لجهة الضغط على النظام السوري من أجل المساعدة وتسهيل عودة اللاجئين السوريين. وتعتبر مصادر ديبلوماسية غربية التقت الرئيس عون قبل بعض الوقت أنها متيقنة من انه وإن كان يطالب بعدم ربط العودة بالحل السياسي ويضغط في هذا الاتجاه في كل اللقاءات التي يعقدها مع ممثلي الدول الخارجية، فإنه يدرك وفقا لهذه المصادر ان الرئيس السوري لا يسهل هذه العودة. وصدور البيان ومضمونه يشكل في الوقت نفسه إقرارا بأن النظام لم يكن يسهل العودة من اجل ان يطلب من الاجهزة الامنية السورية حسن استقبال اللاجئين، ما يعني عمليا ان استقبالهم في المرحلة السابقة لم يكن حسنا، كما انه يدحض المنطق اللبناني الذي كان يؤكد أن هناك استقبالا جيدا للاجئين، على عكس ما يقوله أفرقاء لبنانيون آخرون يصرّون على ان النظام يعتقل العائدين او يخضعهم لشروطه. هذا عدا عن اقتناع سياسيين لبنانيين بأن النظام السوري لم يعتد سوى ان يبحث هو في ما خص لبنان مع الخارج، ولا يرتاح على الاطلاق أن يبحث المسؤولون اللبنانيون موضوع سوريا في أي شأن في الخارج او معه. ومن هنا البيان عن وزارة الداخلية السورية، علما انه اذا كان يؤشر لتغيير في المقاربة، فهذا قد يعطي بعدا إيجابيا لزيارة الرئيس عون لموسكو، ولكن في الوقت نفسه يقوّض الموقف الرسمي الذي كان يؤكد ان النظام متجاوب مع عودة اللاجئين ويسهلها. وكانت الدول الغربية التي التقت في مؤتمر بروكسيل أخيرا رحبت بقوة بالموقف الذي عبّر عنه رئيس الحكومة سعد الحريري، وهي استبعدت وزير النازحين صالح الغريب من الدعوة الى بروكسيل لعدم اقتناعها بما قال انه يحمله من زيارته لدمشق ولقائه مسؤولين سوريين عن استعداد دمشق لاستقبال اللاجئين، لان كل المعلومات التي تمتلكها هذه الدول تفيد بالعكس، ولم تكن تريد ان يشكل لبنان بوقا للنظام او ان يكون متعدد الصوت في بروكسيل. ولكن كان لافتا إقصاء هذا الوزير عن زيارة موسكو، واختفت الاصوات التي طالبت بذهابه الى بروكسيل، علما ان موضوع النازحين يعتبر جزءا مهما من زيارة عون لموسكو.

وقبل أسبوعين من الزيارة المقررة لموسكو حرص رؤساء بعثات ديبلوماسية على معرفة طبيعة الزيارة، وسألوا عون عن الوفد المرافق وما اذا كان سيصطحب معه وزير الدفاع الياس بو صعب، في أسلوب ديبلوماسي لرصد ما اذا كانت ستبحث مواضيع تتعلق بتسليح الجيش وما الى ذلك في موسكو، وهو أمر يقول هؤلاء السفراء ان رئيس الجمهورية الذي ادرك ماهية السؤال نفى انه سيصطحب بو صعب معه، وهو ما فهمه هؤلاء محاولة من عون لتجنب مشكلة مع الدول الغربية وفي مقدمها الولايات المتحدة، باعتبارها الدولة الابرز التي تمد لبنان بما يحتاج اليه الجيش، كما بعض المساهمات من الدول الغربية. لكن هذا لم يمنع المتابعة الديبلوماسية للزيارة. ويعتقد هؤلاء السفراء ان لبنان لم ينل ما يسعى اليه من الزيارة في ما خص موضوع اللاجئين، اذ جاء في البند الرقم 7 من البيان المشترك: “يؤيد الجانبان الجهود الرامية الى تطبيق مبادرة روسيا لتأمين عودة اللاجئين السوريين والمهجرين داخليا، ‏ويؤمنان بأن حل هذه المشكلة يعتمد مباشرة على تهيئة الظروف المؤاتية في سوريا، بما في ذلك الظروف الاجتماعية ‏والاقتصادية، من خلال اعادة الاعمار ما بعد الصراع. ويدعوان المجتمع الدولي والامم المتحدة والمنظمات الانسانية ‏الى تأمين كل المساعدة الممكنة لهذه العملية”. صحيح أنه لم يحصل ربط بموضوع الحل السياسي على نحو صريح، لكن الموضوع ربط بتهيئة الظروف المؤاتية، بما في ذلك الظروف الاجتماعية والاقتصادية واعادة الاعمار، وهي جميعها لن تتوافر عملانيا من دون حل سياسي، لأن روسيا لا تستطيع توفير هذه الشروط وتعتمد على الدول الغربية والعربية التي تشترط حلا سياسيا يوفر كل هذه الظروف. إلا أن جملة ملاحظات سجلت في بيروت على الزيارة، كان أبرزها تساؤل البعض عما إذا كان عون مدركا ان كلامه ضد الولايات المتحدة من الكرملين كما من مجلس الدوما الروسي كان يبث على الهواء، والتساؤل في هذا الاطار هو اذا كان يرد على زيارة وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو لبيروت ويفشلها في ظل مطالبة الاخير لبنان بالنأي بالنفس. فمع أن لا أحد مع الموقف الاميركي من الجولان، إلا انه لافت ان يصدر ذلك من لبنان الرسمي من الكرملين، متحدثا بإسهاب عن سياسة اميركا في استخدام النازحين، وكأنه يلبي رغبة روسية موجهة ايضا الى واشنطن، فتستطيع موسكو الجزم بأن لبنان في حضنها أيضا. وثمة ملاحظة أخرى طاولت توجيه عون الشكر الى بوتين على حماية الاقليات، على نحو لم يره كثر بعين ايجابية، إذ لم يكن من داع لذلك. ويبقى السؤال: بمَ أتت زيارة رئيس الجمهورية لموسكو؟ وما كانت حصيلتها؟

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد