الرئيسية / مقالات / أي مفاعيل للفتح المبكر للرئاسة؟

أي مفاعيل للفتح المبكر للرئاسة؟

روزانا بو منصف
النهار
08082018


كان الكلام عن ربط تأليف الحكومة بحسابات مستقبلية متصلة برئاسة الجمهورية مجرد كلام سياسي وتكهنات صحافية، الى حين صدور الكلام عن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قبل ايام متحدثا عن سبق رئاسي يتقدم فيه الوزير جبران باسيل في رأيه، ويهاجم على هذا الاساس، كما قال رئيس الجمهورية. ولا بد من الاقرار بأن هذا الكلام بدا مفاجئا بالنسبة الى مهتمين خارج لبنان، كما لوحظ الاستغراب نفسه لدى سياسيين كثر على خلفية ان رئيس الجمهورية الذي أنجز لتوّه انتخابات نيابية في عهده ويستعد لاولى حكومات ولايته الرئاسية وفقا لعدم تقويمه للحكومة الاولى بعد انتخابه على انها كذلك، يتحدث عن سبق قائم لرئاسة الجمهورية منذ الان وهو لم يكمل الثلث الاول من ولايته. وهذا الكلام استدرج تساؤلين على الاقل، احدهما كبير، عما إذا كان عون في وارد عدم اكمال ولايته الرئاسية انطلاقا من الموعد المبكر لاطلاق السباق الى الانتخابات الرئاسية المقبلة. فهذا السباق كان يفتح في زمن ما كان يسمى فعلا العهد الرئاسي، اي زمن تمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات واسعة كما زمن ما قبل اتفاق الطائف في نهاية السنة الثالثة من هذا العهد، وهو ما كان يمهد لنهاية هذا العهد سياسيا على نحو مبكر. ولذلك لم يفهم تبني رئيس الجمهورية افتتاح السبق الرئاسي على نحو مبكر، ولو انه عنى تفهمه او تأطيره ما يجري في اطار سياسي طبيعي يندرج تحت هذا العنوان، خصوصا ان رئاسة عون بالذات يفترض ان تمنع بديهيا مقاربة الموضوع الرئاسي حتى قبل الاشهر الاخيرة من انتهاء ولايته الرئاسية، وليس منذ سنتها الثانية. وفتح السباق الانتخابي من شأنه في الاحوال العادية ان يضعف العهد الرئاسي على خلفية انه يمهد للتحضير لوصول آخر، ويبدأ الجميع بالتطلع الى ما هو مقبل. التساؤل الثاني المرتبط بهذه العوامل جميعها يتصل بما اذا كان رئيس الجمهورية يساهم في تحضير الارضية لمسعى “توريث” باسيل رئاسة الجمهورية في شكل او آخر، وخصوصا في ضوء ملاحظة تبنيه كل المقاربات التي يعتمدها رئيس “التيار الوطني الحر” إزاء تأليف الحكومة وحتى طبيعة العلاقات مع مختلف الافرقاء السياسيين، بحيث ألغى في مواقفه الاخيرة والمتعددة أخيرا أي تمايز بينه وبين مواقف باسيل، خصوصا بالنسبة الى المقاربات التي تسعى الى التمييز بينهما من جانب زعماء سياسيين يتجنبون الاصطدام برئيس الجمهورية حتى الان، على رغم ادراكهم تماهي المواقف بين الطرفين. وهذا يسري وفق مصادر سياسية على تأليف الحكومة التي عارض باسيل توزيعها وفق ما عرض الرئيس سعد الحريري حتى الان، على قاعدة تحجيم موقع رئيس الحكومة وقدراته، وكذلك تحجيم حصص كل من الحزب الاشتراكي و”القوات اللبنانية” لمصلحة امتلاك ثلث معطل في الحكومة العتيدة. ويعتقد عدد كبير من السياسيين ان ما يبدو هو تبني عون لرئاسة باسيل من بعده تماما بغض النظر عن الظروف التي يمكن ان تتوافر لذلك ام لا.

يقول سياسيون ان المقاربات التي ينتهجها باسيل لانتزاع موقع رئاسة الجمهورية لن تجعل من هذا الامر ممكنا او محتملا في حال التسليم بان للافرقاء المحليين وحدهم القدرة على حسم هذا الموضوع. فالخصومات القائمة مع كل الافرقاء السياسيين لن تجعل من الامر سهلا، ليس بناء على اداء مستفز لرئيس “التيار الوطني الحر” فحسب، بل لان مفاعيل تأخير الحكومة في الكواليس السياسية فتحت الابواب في الاونة الاخيرة على اعادة القاء اللوم على كل من الافرقاء الذين ساروا في انتخاب الرئيس عون لموقع رئاسة الجمهورية، على خلفية التسليم بانتصار فريق سياسي على آخر، وعلى خلفية ان الرئيس عون لم يعترف يوما باتفاق الطائف. وهذا اللوم يطاول في رأي هؤلاء السياسيين في الدرجة الاولى الدكتور سمير جعجع الذي لم ينجُ من انتقادات في الآونة الاخيرة، خصوصا بعد التراجع عن تفاهم معراب نتيجة تحميله تبعة دفعه قسرا في هذا الاتجاه الذي لم يجد الرئيس الحريري بدا من تلقفه بدوره، وكذلك رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، على خلفية ان بعض الخيارات السياسية قد لا تكون مكلفة لاصحابها فحسب. وازاء فتح هذا الملف جانبيا في كواليس العرقلة الحكومية، من الصعب الاعتقاد ان توقيت اطلاق السباق الرئاسي ملائم راهنا، خصوصا ان الافرقاء السياسيين لا ينظرون او يقيمون الانتصار العوني في الانتخابات النيابية وفقا لما يتم السعي الى قطف ثماره عمليا، ولا كذلك تقويم السنة ونصف السنة من عمر ولاية الرئيس عون. ويصعب القول ان الامور ستذهب الى مكان ايجابي في ظل هذا المشهد، علما ان صورة البلد ككل تتهاوى، وكذلك الامر بالنسبة الى ادنى احتمال بانتقاله الى مرحلة أخرى من بناء الدولة واستعادة الثقة. فقد لا يكون المسؤولون معنيين او يظهرون اهتماما يذكر بما يجري على الارض او من خلال تحوير الحقائق، لكن البلد في حال مزرية على كل الصعد، وكذلك حال اللبنانيين الذين يتم التعامل معهم وكأنهم اعادوا انتخاب المسؤولين انفسهم مجددا وعليهم تحمل مسؤولية خياراتهم، في حين ان من انتخب فعلا لا يوازي نصف الشعب اللبناني الذي غدا يتحمل وزر من اعاد تكريس الزعماء انفسهم. وهناك كثر يرون ان اي انتصار من النوع الذي يتم السعي اليه في الحكومة راهنا لن يكون مهما لان لبنان سيكون هو الخاسر. ويكفي النظر الى الانتظار الممل للسياح الخليجيين او للاستثمارات او المساعدات التي ستكون بدورها مهددة في ظل الاتجاهات التي ترسم.

rosanaboumonsef@annahar.com.lb

اضف رد