أيُّ حاجة للمطالبة بإعلان حال الطوارئ؟

ميناء الفيدار (تصوير مارك فياض)

تعاظمت النداءات المطالِبة بإعلان حال الطوارئ في الأيام الأخيرة من أكثر من جهة سياسية في البلاد. وشجّعت هذه المطالب على فلفشة الأوراق التاريخية والمستندات القانوينة والتعمّق في معنى اتّخاذ إجراء كهذا. كان لبنان أن شهد إعلان الطوارئ في أكثر من محطّة ذات أبعاد أمنيّة نتجت عن أحداث سياسية. وبالعودة إلى التجارب السابقة، فقد أُعلنت حال الطوارئ  بتاريخ 13 أيار 1948 وفي 5 حزيران 1967 و23 نيسان 1969 و14 أيلول 1972 و7 أيار 1973.

لعلّها المرّة الأولى بعد نيل لبنان استقلاله، يَفرض فيها فيروس ضرورة اتخاذ إجراءات استثنائية تصل إلى حدود المطالبة بإعلان حال الطوارئ. ويَعتبر الرئيس نبيه بري هذا الإجراء بمثابة أولويّة. وتفيد المعلومات بأن دعوة رئيس المجلس إلى إعلان حال الطوارئ مردّها إلى الحاجة الملحّة لضبط الأوضاع بعدما تبيّن عدم الالتزام الكافي من المواطنين في ظلّ التعبئة العامّة، بحسب ما تؤكّد مصادر الرئاسة الثانية لـ”النهار”. وتشير إلى أن الصرخة مردّها الخشية من أيّ انزلاق في ظلّ الإمكانات الصحيّة الخجولة في البلاد وعدم القدرة على تحمّل تبعات انتشار الفيروس على نطاق أوسع، ما يؤكّد الحاجة إلى التشدّد في الإجراءات لإبعاد السيناريوات المرعبة. وقد صار واضحاً احتكام دول العالم إلى تسليم زمام الأمور إلى الجيش، ولا بدّ من أن يتسلّم الجيش في لبنان لضمان التزام الحجر والسير على الخطى الصحيحة.

من منطلق قانونيّ، يستند إعلان حال الطوارئ في لبنان إلى المرسوم الاشتراعي رقم 52 الصادر بتاريخ 5 آب 1967، فيما تستند حال التعبئة العامة إلى المرسوم الاشتراعي الصادر برقم 102 بتاريخ 16 أيلول 1983 والمتعلّق بقانون الدفاع الوطنيّ. وتتولّى السلطة العسكرية العليا فور إعلان حال الطوارئ، صلاحية الحفاظ على الأمن، وتوضع تحت تصرّفها جميع القوى المسلّحة، ويُفهم بذلك قوى الأمن الداخلي والأمن العام والجمارك ورجال القوى المسلّحة في الموانئ والمطارات ومخافر الأحراج وفي وحدات الحراسة المسلّحة ومفارزها بما فيها رجال الإطفاء.

ويكون للسلطة العسكرية العليا إذا ما أُعلنت حالة الطوارئ، من جملة ما يكون لها، الحقّ في فرض التكاليف العسكرية بطريق المصادرة التي تشمل الأشخاص والحيوانات والاشياء والممتلكات، وتحرّي المنازل في الليل والنهار، وإعطاء الأوامر بتسليم الأسلحة والذخائر والتفتيش عنها ومصادرتها، وفرض الغرامات الاجمالية والجماعية، وإبعاد المشبوهين وفرض الإقامة الجبرية على الأشخاص الذين يقومون بنشاط يشكّل خطراً على الأمن العام، واتّخاذ التدابير اللازمة لتأمين المعيشة لهؤلاء الأشخاص وعائلاتهم، ومنع الاجتماعات المخلّة بالأمن، وإعطاء الأوامر بإقفال السينما والمسارح والملاهي ومختلف أماكن التجمع بصورة موقّتة، ومنع تجوّل الأشخاص والسيارات في الأماكن والأوقات التي تحدّد بموجب قرار، ومنع النشرات المخلّة بالأمن واتّخاذ التدابير اللازمة لفرض الرقابة على الصحف والمطبوعات والنشرات المختلفة والاذاعات والتلفزيون والأفلام السينمائية والمسرحيات.

ويكون للسلطة العسكرية العليا أن تحيل أمام المحكمة العسكرية الجرائم الواقعة على أمن الدولة والدستور والأمن والسلامة العامة. وتحال جميع مخالفات أحكام الطوارئ على المحكمة العسكرية. وتعلن حال الطوارئ بمرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء، ويتوجّب أن يجتمع مجلس النواب للنظر في هذا التدابير في مهلة ثمانية أيام، وإن لم يكن في دور انعقاد. ويحتاج إعلان الطوارئ تأييد الثلثين من الأعضاء الذين تتألف منهم الحكومة بحسب مرسوم تأليفها استناداً إلى أحكام الدستور.

تتعدّد الآراء والمقاربات حول ضرورة إعلان حال الطوارئ من عدمها. ويرى الخبير القانوني والدستوري الدكتور عادل يمين عبر “النهار”، أن المرسوم الاشتراعي رقم 52 تاريخ 5 آب 1967 ينصّ على إعلان حال الطوارئ عند تعرّض البلاد لخطر مداهم ناتج عن حرب خارجية أو ثورة مسلّحة أو أعمال أو اضطرابات تهدّد النظام العام والأمن، أو عند وقوع أحداث تأخذ طابع الكارثة. ويمكن اعتبار وباء كورونا حدثاً يأخذ طابع الكارثة. وينص قانون الدفاع الوطني في ما يتعلق بالتعبئة العامة على أنه إذا تعرّض الوطن أو جزء من أراضيه أو قطاع من قطاعاته العامة أو مجموعة من السكان للخطر، يمكن إعلان حال التعبئة العامة أو الجزئية لتنفيذ بعض الخطط المقرّرة، وتالياً يمكن اعتبار كورونا خطراً.

ويرى يمّين أن الحالتين جيدتين ويمكن أن تؤديا إلى النتائج نفسها إذا أحسن إعلان التعبئة العامة وحال الطوارئ. ويمكن أن يكون الخطر الصحي سبباً لإعلان حال الطوارئ والتعبئة العامة بالعودة إلى أحكام قانون الطوارئ وقانون الدفاع الوطني. ويمكن في التعبئة العامة فرض تقييد على التجول وحظر التجول وتنظيمه. إذا تشدّدت الإجراءات في التعبئة العامة يتحقق الغرض في مواجهة وباء كورونا. ويمكن مجلس الوزراء تكليف الأجهزة الأمنية تنفيذ هذه المهمّة. وإذا وجد مجلس الوزراء أن الأمر بات يستلزم تدخّلاً عسكرياً أكبر أو تجميع القوى الأمنية تحت القيادة العسكرية العليا (الجيش مع المجلس العسكري بإشراف المجلس الأعلى للدفاع) من أجل التشدّد أكثر في تطبيق الخطط، فذلك يكون جائزاً وأحد الخيارات المتاحة أمام السلطة التنفيذية، ولعلّه الدرجة الأعلى والأخيرة في سلّم التشدد في مواجهة كورونا.

من جهته، يقول عضو تكتل “الجمهورية القوية” والخبير العسكري والاستراتيجي النائب وهبة قاطيشا لـ”النهار”، إن إعلان حال الطوارئ يأتي في ظلّ خطر عسكري خارجي أو خطر حرب أهلية داخلية، فيتولّى الجيش كلّ المفاصل. ويعني ذلك أنّ حال الطوارئ تعلن عندما يتهدّد الأمن في البلاد. وتعلن التعبئة العامة إذا ما هُدّدت السلامة العامة، وهو إجراء أهم من حال الطوارئ في ظلّ فيروس لا يوفّر أحداً وخطره أكبر. وتتولّى الوزارة المختصة حماية السلامة العامة وتتّخذ القرار المناسب. ويتولى الجيش والقوى الأمنية مهام السهر على تنفيذ قرار منع التجوّل. ويشير قاطيشا إلى أنّ قرار التعبئة العامة جيّد لكنّه أتى متأخّراً وترجمته العملية سيئة. وكان لا بدّ من تشكيل خليّة أزمة فوراً، وهذا ما دفع رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع إلى طلب استعجال الإجراءات بعدما شعر بتأخر الحكومة في التصدي للخطر.

majed.boumoujahed@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*