الرئيسية / home slide / أيهم الياس يعود الى الحروب الصليبية ليكتب الراهن

أيهم الياس يعود الى الحروب الصليبية ليكتب الراهن

أيهم سلمان|الجمعة27/11/2020
Almodon.com

الياس لـ”المدن”: “ثمة تشابه كبير، وربما تام، بين حال الشرق اليوم وحال أوربا قبل ألف عام”.

في فاتحة أعماله الروائية، “إسمي كلارا”(*)، يعود الكاتب السوري أيهم إلياس، إلى مسرح القرن الحادي عشر، الذي شهد في أواخره تواصلاً من نوع خاص بين ضفتي المتوسط، في ما عرف بالحروب الصليبية أو “الحج المقدس”.

حكاية موازية تدور أحداثها على طريق ماركو، الشاب الإيطالي، وطالب الفلسفة في إحدى منارات الغرب آنذاك. قرطبة، التي عاش فيها وتحدث بلسان أهلها، ثم غادرها ملبياً دعوة البابا ليكون من بين آلاف المتحمسين، في الزحف باتجاه “مهد المسيحية”، في رحلة لا يدرك ماركو دافعه الحقيقي لخوضها، في صراع مع الذات يمكن له أن يدور في أي عصر، لكن الكاتب اختار ربطه بمفاصل تاريخية، تفيد في تعقيد الصراع.

يقول أيهم إلياس لـ”المدن”: “غايتي الرئيسية من الرواية، هي إبراز قدرة الإنسان على تجاوز رواسب العادات والتقاليد، وحتى المسلّمات المرتبطة بالديانات، أو مقاومة انجرافه معها، وتقييد نفسه بها لدرجة العبودية وإنكار الذات، أو تقديم نفسه كأُضحية فداءً لها. بالتأكيد هناك أمثلة كثيرة عبر التاريخ، لكن من وجهة نظري كانت الحروب الصليبية هي الساحة الأقرب، كونها تركت الأثر الأكبر في شعوب المنطقة التي أصابتها الحرب، أوحتى تلك التي لم تشهدها. خصوصاً أنّ هذه الحرب تحديداً، ارتكزت بأكملها على الاختلافات الدينية”.

مع أن أحداث الرواية، تدور في نطاق زمني محدد وواضح يؤثر في تفاعل شخصياتها، إلا أن تنحية أسماء المدن والتواريخ، ومفاصل الأحداث التاريخية البارزة، قد يحولها إلى رواية معاصرة تدور أحداثها اليوم، فيمكن أن يُسقط سياقها على ما يعيشه العالم حالياً من حروب، مع اختلاف الخلفيات والمسمّيات، وكأن المراد من هذه الحكاية مقاربة ما جرى منذ أكثر من عشرة قرون مع ما يجري اليوم، بكل تفاصيله.

يقول إلياس: “كثر من الفلاسفة والمفكرين، اعتبروا أن التاريخ يعيد نفسه، وسواء كان يعيد نفسه أم لا، أنا أؤمن أن البشر يتشابهون، مهما اختلفت ألوانهم ومعتقداتهم، برغباتهم وأُساليب تفكيرهم، لذلك عندما دخلت أوروبا عصر الانحطاط، وخصوصاً مع انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية، دخلت في دوامة كبيرة من الفوضى والفساد والاستبداد. في الوقت ذاته، كان الشرق يمر بعصره الذهبي بسبب رسو الاستقرار السياسي والاقتصادي. ومع تعافي أوروبا من مشاكلها في بداية العصر الحديث، ظهرت أزمات الشرق للأسباب نفسها تقريباً، أي الخلفيات ذاتها التي أوقعت أوروبا في عصر الظلام أيام العصور الوسطى. تلاشي الدولة القوية، وغياب الأمان الذي هو حجر الأساس لتطور الحياة البشرية، وتحكم الرعاع في مفاصل الحياة بقوّة السلاح. لذلك فإن روايتي إسقاط على حالة الشرق في الوقت الحالي، رغم استخدامي لشخصيات أوروبية، لأنّه، ومن وجهة نظري، ثمة تشابه كبير، وربما بشكل تام، بين الشرق اليوم وحال أوروبا قبل ألف عام”.

أربعة قرون استمرت خلالها الحملات الصليبية، غيّرت خرائط السيطرة في المنطقة، وغيّرت معها الكثير من المفاهيم لدى شعوب المتوسط. لكن الرواية تحصر خط أحداثها، ما بين دعوة البابا، وسقوط القدس. ليس فقط لأن تلك المرحلة تعتبر ذروة التحول المطلوب في الرواية، بل لأن الخطاب الغربي المؤدي إلى تجدد الصراع، والذي بدأ ينتشر حينها، اتخذ شكلاً مختلفاً.

يقول الكاتب عن خياره في حصر الفترة الزمنية للأحداث: “بعد إنشاء الممالك والإمارات الأوروبية في المشرق، رويداً رويداً بدأت علاقاتها تتغير مع محيطها من المناطق التي بقيت خاضعة للخلافة العباسية، وحكام الأقاليم التابعين للخليفة في بغداد، من حالة عداء مُطلق، إلى حالة من العلاقات السياسية والاقتصادية، ومع ترسّخ وجود تلك الممالك شيئا فشيئاً، عادت الصراعات، لكنها لم تكن أكملها نتيجة النظرة القلقة تجاه الآخر. حتى بعد خمسين عاماً من إنشاء الممالك الأوروبية، كان تضارب المصالح هو منشأ الصراع، وليس الفكرة السائدة عن الغزاة القادمين من وراء البحار، حتى أنّ الملوك الغربيين ومعهم حكام المناطق، ابتعدوا عن الخطاب الديني في حشد الجيوش. وذلك على عكس فترة الحملة الأولى، التي كانت الأنسب لأحداث الرواية، لأنها كانت حرب مصالح، يُستخدم فيها الخطاب الديني، ليوحي للمنضوين تحتها بأنها حرب هُويّات ومقدسات”.

غالباً ما اتخذت الحوارات الطويلة في الرواية، والتي كانت طاغية في أغلب أجزائها، شكل النقاشات الفلسفية، حول قضايا أوسع من حدود الأحداث الجارية، لتطرح وتجيب على أسئلة في وجوه متعددة. وتبرز التحولات في وجهات النظر، وانتقالها من النقيض إلى النقيض، لا سيما لدى الشخصية الرئيسية.

يقول إلياس: “إذا أردنا أن نصل إلى عقل القارئ، فمن الأجدى أن تُطرح معظم الأسئلة التي تخطر في بالنا نحن البشر، بألسنة شخصيات تحمل صفات مختلفة. برأيي أن إقحام الكاتب لأفكاره ورؤيته، على لسان واحدة من شخصيات ابتكرها، هو لعبة مكشوفة تؤدي إلى النفور في لحظة ما، لأنّها ببساطة تُمثل حواراً في اتجاه واحد. مع أن كلّ الحوارات والشخصيات تنبثق من خيال واحد بطبيعة الحال. لقد حاولت قدر الإمكان أن استجلب معظم الشخصيات والنماذج التي يُمكن للإنسان أن يصادفها في حياته، من واقعي المحيط. لأطرح عبرها معظم الأسئلة التي تجول في الخواطر”.

تركيبة الشخصية الرئيسية، ونقطة انطلاقها، ومسار رحلتها من الغرب إلى الشرق، إلى جانب أسلوب السرد التي سلكه الكاتب… تفاصيل توحي أننا أمام رواية غربية مترجمة إلى العربية، لما فيها من تشابه وتقاطعات مع أعمال أدبية مترجمة، الانتقال من الأسلوب الواقعي، إلى مساحات مختلفة في مفاصل معينة.

يبرر الكاتب هذا بالقول: “كأيّ قارئ، هناك أُسلوب أدبي يعجبني أكثر من غيره، وأنا على المستوى الشخصي، معجب بالواقعية السحرية، الدارجة في أدب أميركا اللاتينية. رغم أن ألمانيا هي أول من ابتكر هذا النمط، إلا أن أُدباء أميركا اللاتينية، مثل غابرييل غارسيا ماركيز، خورخي لويس بورخيس، إيزابيل الليندي وكثيرين، هم من أبدعوا في هذا النمط وجعلوه محبوباً. لذلك يمكن للقارئ أن يرى بوضوح أثر الواقعية السحرية في روايتي، والذي ربما هو غريب عن الخيارات والأنماط السائدة في الأدب المكتوب باللغة العربية”.

رحلة الشاب الميلاني (ماركو) تمضي بشكل سريع وكثيف تتخلله مجموعة من التناقضات، لكن مفصل التحول الأساسي، هو لقائه بـ”سمية”. سبية تركية يكتشف من خلالها أن غايته من الرحلة الدموية، لها وجوه مختلفة عن تلك التي كان يعتقدها. وأن الراسخ في عقله قبل الرحلة، يمكن أن يغيره شعور مختلف يتسرب في لحظة ما. 

(*) رواية “اسمي كلارا” الصادرة عن دار “حكاية”، أطلقت منذ فترة قريبة في معرض الشارقة الدولي للكتاب، كما طرحت نسخها المحدودة في الطبعة الأولى، في مواقع الكتب الالكترونية، بسبب الصعوبات والقيود التي يفرضها انتشار وباء كوفيد 19 العالمي.