الرئيسية / مقالات / أيهما يقود نحو المستقبل: خطة الحكومة أم خطة المصارف؟

أيهما يقود نحو المستقبل: خطة الحكومة أم خطة المصارف؟

تصوير نبيل إسماعيل.

يواجه لبنان البلد الرائد في محيطه الشرق أوسطي والعريق باقتصاده الحر واحترامه المطلق للحريات والملكية الفردية، خارطتي طريق على الصعيد المالي والاقتصادي مختلفتين تماماً بفلسفتهما وبنتائجهما.

في تحليلها لخطتي الحكومة وجمعية المصارف، اعتبرت مصادر اقتصادية ومالية أن خطة الدولة هي خطة راديكالية مبنية على تشريح للأوضاع التي أوصلت لبنان إلى هذه المرحلة، لكن من دون تحديد رؤية للمستقبل. الخطة بشّرت اللبنانيين أنهم سيعيشون بتقشّف وبطالة، وأنهم سيصلون إلى قطاع مصرفي لا رأسمال لديه، وبـ”هيركات” مباشر على المودعين.

والخطة التي وضعت من دون أي تواصل مع المصارف والهيئات ومصرف لبنان، خلصت، برأي المصادر، إلى أرقام عجز لم نستطع تفسيرها، “إلا إذا أخذوا في الاعتبار أن أموال المودعين طارت”.

واعتبرت أن مقاربة خطة الحكومة للبنك المركزي والمصارف مقاربة عدائية، فيها إغفال لمن أهدر مال الدولة واستولى عليها. أما خطة المصارف فتناست أن هذه الأموال هي أموال المودعين.

في حين أتت خطة المصارف بالحل التدرّجي عبر إطفاء الدين المركزي على الدولة، وإنشاء صندوق حكومي لتخفيف عبء الديون Government Debt Defeasance Fund (GDDF) وتعزيز رأسمال المصارف لتخفيف الضرر عن المودعين. رأت المصادر أن الخطة لم تأتِ على ذكر حجم الضرر الواقع على المودعين.

أما المشترك في الخطتين، فإنهما، وفق ما تقول المصادر، لم تلحظا آليات تنفيذية. الخطتان تتحدثان عن إعادة الثقة، ولكنهما لم تشيرا إلى أن إعادة الثقة تحتاج إلى سيولة. والسيولة برأي المصارف يمكن أن تتأمن بإعادة بعض أموال المدينين للقطاع المصرفي، أو عبر خطوط ائتمان من الـ ifc و ebRB والمصرف المركزي، إلا أن ذلك يتطلب أن تبرهن المصارف أن ثمة ثقة بإداراتها. فالقطاع المصرفي بحاجة إلى إعادة هيكلة، ليس فقط إعادة هيكلة رأسماله فقط، بل إعادة هيكلة لإدارته لأنه ثبت أن هناك فشلاً في إدارة الأزمة، وفي إدارة أموال الناس.

الخطتان تلحظان تحويل الاقتصاد من ريعي إلى إنتاجي. ولكنه يقتضي حكماً “الافتكاك” الإيجابي، أي المحافظة على حقوق المودعين وحملة سندات الدين السيادي من الأفراد والمؤسسات. و”الافتكاك” تعني به المصادر “الافتكاك للتشابك المالي بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف الذي أوصل البلاد إلى ما هو عليه الآن واستبداله بالمثلث الانمائي المتمثل بمصرف لبنان والمصارف والاقتصاد، وقيام الدولة بدورها في إرساء ومتطلبات الحكم الجيد وتحسين مناخ الاستثمار”.

أما بالنسبة إلى صندوق النقد، فلا يهمه المقاربة الراديكالية وفق ما تقول المصادر، و”لكنه من المؤكد يريد إعادة هيكلة المصارف والمصرف المركزي. ويريد إصلاحات وتوحيد سعر النقد”، معتبراً أن ملاحقات الصرافين وغيرهم سيكون لها نتيجة ويمكن أن تقود إلى توحيد سعر النقد في مرحلة معينة.

وتستغرب اللجوء إلى المعالجة القيصرية، إن كان في خطة الحكومة أو في خطة المصارف، “صحيح أن لبنان تخلف عن دفع 33 مليار دولار، ولكن ثمة دولاً تخلفت عن دفع ديون بنحو 130 مليار دولار ولم تلقَ الضجة التي لقيها لبنان. يجب التحلي بعقلانية معدلات الامتثال التي يجب أن تلتزم بها المصارف حسب الوضع الحالي”.

أما في مقلب المصارف فثمة نظرة أخرى للخطتين.

المقاربة الأولى هي تلك المعتمدة من خطة الإنقاذ المالي التي تبنتها الحكومة اللبنانية والتي تعتمد، وفق مصادر مصرفية مطلعة، مقاربة محاسبية بحتة من دون أي رؤية اقتصادية أو استثمارية. الخطة تحدد أرقام الخسائر (بغض النظر عن دقة أو صوابية هذه الأرقام غير المتفق عليها أصلاً)، وتقوم بتصفية نظرية وفورية لهذه الخسائر من دون الأخذ في الاعتبار الأضرار التي ستلحق بالاقتصاد الوطني، وتتصرف وكأنها تقوم بعملية تصفية أو اغتيال تام للاقتصاد اللبناني.

وتقوم على افتراضات غير واقعية، كاعتبارها الاستحصال على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 10 مليارات دولار، وإعادة 10 مليارات دولار من الأموال المنهوبة، و 11 ملياراً من مؤتمر سيدر، تحصيلاً حاصلاَ.

كما أنها تعتمد بشكل أساسي على زيادات ضريبية كبيرة كمصدر أساسي لتعزيز إيرادات الدولة اللبنانية، مفترضة أيضاً أن النمو الإيجابي في الدخل القومي سيتحقق بدءاً من سنة 2022، وهو ما لن يتحقق أبداً في ظل الإجراءات المقترحة ضمن هذه الخطة. كما أنها تضرب الأسس الدستورية التي تقوم عليها مبادئ الاقتصاد الحرّ واحترام الملكية الخاصة في الاقتصاد اللبناني، وهي الأسس التي ميزت لبنان خلال تاريخه الحديث.

وتخلص المصادر إلى أن خطة الحكومة اللبنانية هي “فعلياً عملية حسابية سوف تؤدي، لا سمح الله، إلى تصفية ما تبقى من اقتصادنا الوطني”.

في المقابل، ترى المصادر عينها أن جمعية المصارف قدمت أفكاراً بناءة مبنية على نظرة اقتصادية توسعية بغية وضع خريطة طريق مشتركة مع الحكومة اللبنانية (بما فيها مصرف لبنان) وبقية شركاء الإنتاج بغية العمل سوياً من أجل إنقاذ الوضع المالي والاقتصادي والعبور بالمجتمع اللبناني إلى برّ الأمان.

وفق المصادر، فإن أفكار جمعية المصارف مبنية على فلسفة ومبادئ أساسية: حماية أموال المودعين في المصارف اللبنانية ما يؤدي إلى صون الثقة بالنظام المالي اللبناني وتالياً بالاقتصاد الوطني، وتقديم نظرة اقتصادية واستثمارية تشكل قوة دفع للمستقبل، ما يساهم بعودة النمو الإيجابي للدخل القومي، وتالياً المساهمة بحل المعضلة المالية الحالية، واحترام الأسس الدستورية التي تميز اقتصادنا وأهمها حرية الاقتصاد وقدسية الملكية الخاصة.

ولكن ما هي أبرز ركائز خارطة الطريق المقترحة من جمعية المصارف؟

تفرق الجمعية بين الدين الداخلي والدين الخارجي. فالدين الداخلي المتوجب على الدولة لمصلحة مصرف لبنان يمسّ: مصرف لبنان، المودعين، المصارف، شركاء الإنتاج من صناعيين وتجار ومهنيين. وعليه يجب معالجة هذا الدين بطريقة لا تؤدي إلى عدم إمكانية هذه الفئات من الاستمرار. في هذا الإطار اقترحت الجمعية تشكيل صندوق سيادي يتملك جزءاً من أصول الدولة (بقيمة 40 مليار دولار)، التي اقترضت الأموال، وصرفتها وعجزت عن الإيفاء بالتزاماتها، على أن تعود ملكية الصندوق إلى الدولة، أي أن الدولة لن تتخلى عن أصولها. في المقابل يصدر الصندوق سندات دين بقيمة 40 مليار دولار لمصلحة مصرف لبنان بفوائد متدنية واستحقاقات بعيدة، مدعومة بالأصول المملوكه من الصندوق، على أن يتنازل في المقابل المصرف المركزي لصالح الصندوق عن مجمل الدين العام الذي يحمله حالياً.

فماذا تحقق هذه العملية؟ وفق المصادر فإنها تتيح للمصرف المركزي إعادة أموال المصارف المودعة لديه عند استحقاقاتها، ما يتيح للمصارف إعادة هذه الأموال إلى المودعين أي أنها تؤدي إلى الحفاظ على أموال المودعين، وهو الهدف الأساسي للمسار المقترح من قبل المصارف. كما ستساهم بإراحة الدولة على اعتبار أنها سوف تخفض كلفة خدمة الدين العام بفعل تخفيض الفوائد، كما أنها ستريح التدفقات النقدية للدولة (Cash flow) بفعل تمديد الاستحقاقات. كما أن الدولة ستحافظ على ملكية أصولها وعلى الأرباح الناتجة عن هذه الأصول.

وفي حال وضع إدارة فعالة لهذا الصندوق، ضمن أطر الشفافية والحوكمة السليمة، ستتحسن بشكل ملحوظ إدارة هذه الأصول، وبالتالي إنتاجيتها، ما سيزيد المردود الذي ستتلقاه الدولة من هذه الأصول.

إذاً، اعتماد هذه المقاربة سيؤدي إلى مردود إيجابي لجميع الأطراف المعنية: المودعون، الدولة، مصرف لبنان، المصارف وبقية شركاء الإنتاج.

أما بالنسبة إلى الدين الخارجي أو الأوروبوندز التي تحملها المصارف وبعض الصناديق العالمية، فتقترح الجمعية أن يصار إلى التفاوض بحسن نية للوصول إلى اتفاق على إعادة جدولة هذا الدين عن طريق تخفيض الفوائد وتمديد الاستحقاقات، بحيث تخفض كلفة الدين العام وتريح التدفقات النقدية للدولة بما يتيح لها الإيفاء بالتزاماتها من دون مشاكل. علماً أن الجمعية أعربت عن استعدادها للمساهمة بشكل منطقي وعادل بحصتها من الخسائر الناتجة عن هذه العملية في حال اعتماد خطة إنقاذ شاملة.

تجدر الإشارة إلى أنه أمر طبيعي جداً أن يتفاوض المقترض المتعثر أو المتوقف عن الدفع مع المقرض بهدف إيجاد الحلول المناسبة.

إلى ذلك تقترح الجمعية الشروع فوراً بالإصلاحات البنيوية والأساسية التي لا قيامة للبنان من دونها: الكهرباء، والتهرب الجمركي، والتحصيل الضريبي، والقطاع العام وإنتاجيته، تحسين بيئة الأعمال…

كل ذلك، يجب أن يتزامن، حسب طرح الجمعية، مع رؤية اقتصادية وإطار تنفيذي عملي لتحويل الاقتصاد اللبناني من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج بما في ذلك تطوير البنى التحتية، وبيئة الأعمال. علماً أن خطة “رؤية لبنان الاقتصادية” أو ما يعرف بـ”خطّة ماكنزي” ومشروع مؤتمر سيدر، يشكلان إطاراً جاهزاً للشروع في هذا المسار.

تبدو خريطة الطريق المقترحة من جمعية مصارف لبنان شاملة، تراعي مصالح جميع اللاعبين الاقتصاديين، وتقدم نظرة اقتصادية واضحة للمستقبل، وفق المصادر التي تسأل “ألا يستحق البلد والشعب اللبناني أن تبادر الحكومة إلى تشكيل لجنة تتمثل فيها الحكومة وبالأخص وزارة المال، مصرف لبنان، المصارف، الهيئات الاقتصادية (بما فيها القطاع المهني) للاتفاق على خريطة طريق موحدة تشكل خشبة الخلاص لبلدنا المعذب وتظهرنا ولو لمرة دولة واحدة موحدة أمام الأطراف الخارجية والصناديق الدولية المعنية؟”.