الرئيسية / أضواء على / أيها اللبنانيون “انتخبوا”وامنعوا إسقاط الطائف!

أيها اللبنانيون “انتخبوا”وامنعوا إسقاط الطائف!

النهار
05052018

كان مفترضاً أن يعيش لبنان أجواء عرس ديموقراطي حقيقي بأقصى حدود معايير التغيير الجدّي لا الشعاراتي الفارغ من كل مضمون عشية استحقاق طال انتظاره تسعة أعوام منذ الانتخابات النيابية الاخيرة عام 2009. وكان يفترض أن تشكل الانتخابات النيابية التي ستجرى غداً فرصة نادرة للأجيال اللبنانية الشابة التي ستختبر للمرة الأولى طعم اتخاذ القرار والخيار السياسي وتقرير الوجهة في رسم مصير الوطن عبر اسقاط لائحة المرشحين المختارين أو من خلال الترشح للانتخابات. كل هذا حصل شكلاً، لكنه ظلّ قاصراً في المضمون عن ترجمة عميقة جدية لاتاحة الفرصة الذهبية أمام اللبنانيين لجعل انتخابات تعطّشوا اليها مناسبة للتغيير الجذري المطلوب تطلق مسار اقامة دولة تليق بطموحاتهم ولا تبقى مجرد محطة لتجديد الدم في عروق الطبقة السياسية القائمة مع بعض التعديلات حتى لو دخل البرلمان الجديد أكثر من 50 وجهاً جديداً سيكون معظمهم من القوى القائمة وليس من قوى جديدة تنخرط في عملية التجديد المطلوبة.

ومع أن أحداً لا يتوهم أن الانتخابات ستحمل مساراً ثورياً في لبنان المحكوم بواقع طائفي ومذهبي وسياسي وخارجي يحول دون توقع انقلابات بهذه الطبيعة الاستثنائية، فإن الاشهر الثلاثة التي سبقت موعد الانتخابات غداً كانت كفيلة بإلقاء ظلال كثيفة على تشويه الاستحقاق بدءاً من قانونه الذي لم يسبق في تاريخ الانتخابات النيابية في لبنان أن تعرّض قانون للطعن والتشكيك والادانة الاستباقية مثلما تعرّض له هذا القانون قبل تجربته الأولى التي يصعب التكهن بما اذا كانت ستتكرّر في ظل العبث السياسي الواسع الذي أثاره. ولم يقف الأمر عند حدود القانون الذي صار أمراً واقعاً بل أن العبث السياسي الأخطر حصل في مجريات السباق نحو الاحد الانتخابي الحاسم وهي مجريات أبت الا أن ترافق اللبنانيين حتى الساعة الأخيرة قبل بدء فترة الصمت الانتخابي منتصف الليل الفائت. ذلك أن اللبنانيين سيتوجهون غداً الى صناديق الاقتراع في 15 دائرة انتخابية وقد ارتسمت أمامهم ملامح معطيات جديدة تميز استحقاق 2018 عن استحقاقي 2005 و2009 بفوارق جوهرية من شأنها أن تبدل وجهة الصراع الداخلي. فهذه المرة سيكون على اللبنانيين أن يدركوا أن الانتخابات يمكن أن تكرّس خللاً في التوازن السياسي والوطني نشأ عن غياب قوى 14 آذار التي كانت في أسوأ الأحوال تشكل الكفّة المقابلة في التوازن مع قوى 8 آذار وعمودها الفقري “حزب الله”. الانتخابات غداً ستفتقد الى هذا العامل في ظل حفاظ قوى 8 آذار على قواها وتحالفها واستراتيجيتها الاقليمية المرتبطة بمحور “الممانعة” الايراني – السوري فيما تفرّق شمل تحالف 14 آذار وباتت قواها موزعة بل وبعضها خاصم البعض الآخر وتكبّد المستقلون من هذا التحالف أثماناً كبيرة عقب التسوية السياسية التي جاءت بالعماد ميشال عون رئيسا للجمهورية وبالرئيس سعد الحريري رئيساً للحكومة. ولكن اللافت أن الانتخابات ستجرى على وقع انفجار سياسي حقيقي وجدّي بين اندفاعة هجومية لما يسمى “لوائح العهد” ومعظم الأفرقاء السياسيين الذين بدوا في معارك دائرية مع رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل والذي لم يوفّر حليفاً أو خصماً في حملاته الانتخابية من دون مهاجمته وكان آخر من هاجمهم أمس شريكه في “تفاهم معراب” رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع. واذا كان من البديهي أن توفّر الساعات المتقدمة من ليل غد الأحد الجواب الحاسم عمّا يريده باسيل من معاركه وما سيخطّط له المعارضون بدءاً من 7 أيار فإن المحور الآخر الأشدّ دلالة في معارك استحقاق 2018 تتمثل في اليقظة الحادة للصراع بين “تيار المستقبل” و”حزب الله ” خصوصاً في ظل سعي الحزب وحلفائه الى حصد حصة من النواب السنّة السائرين في ركب تحالف 8 آذار. وليس خافياً أن الجانب الحاسم من الاستحقاق النيابي يتصل بتوزيع القوى في البرلمان المنتخب الجديد الذي سيرصده العالم الخارجي من منظار معاينة تنامي حجم “حزب الله” وحلفائه من جهة والقوى السياسية والحزبية الأخرى من جهة أخرى وما اذا كانت تطورات كبيرة ستطرأ على هذه الأحجام نظراً الى ارتباطها بواقع اقليمي ولا سيما من ناحية رصد النفوذ الايراني في لبنان أسوة بدول أخرى في المنطقة.

أما البعد الثالث البارز الذي سيتخذه الاستحقاق فيتصل بالسمعة المشوّهة التي التصقت بممارسات وانتهاكات ضجّت بها الساحة السياسية والإعلامية وبرزت معها شهيات مفتوحة الى الاستئثار بالنفوذ الرسمي ومقدرات الدولة على حساب التنافس العادل في حدوده الدنيا. وهو الأمر الذي سيجعل مراقبة العمليات الانتخابية غداً أمراً في غاية الدقّة والحساسية لأن افتضاح الضغوط التي مورست في حق معارضين للعهد والسلطة من جهة كما افتضاح ممارسات وانتهاكات لقانون الانتخاب وتجاوز السقوف في الإنفاق وما يُحكى عن تجاوزات كبيرة في مناطق مختلفة سيضع يوم الانتخابات تحت مجهر مضخّم للاعلام والمراقبين الاوروبيين وجمعيات وهيئات معنية بمراقبة العملية الانتخابية عن كثب.

 ماذا عن البُعد الأهمّ المتصل بالنظام؟ ليس ثمّة شك في أن تبدل موازين القوى سيضع اتفاق الطائف على مسافة اقرب من الخطر. وتبعاً لذلك فإن تصويت اللبنانيين التائقين الى منع انزلاق لبنان نحو متاهات انقلابية تخدم قوى إقليمية معروفة سيشكّل خط الدفاع الحتمي عن انزلاقات مدبرة كهذه. ومن هنا لم يكن عبثاً تصاعد أصوات تحذّر من خطر إسقاط الطائف وتوجب تصويتاً واعياً ومدركاً لمنع أخطار كهذه. وهو أمر يحمّل الناخب اللبناني مسؤولية مزدوجة أولاً في “انتخاب” مرشّحين يحملون فعلاً اتجاهات تنقية السياسة الغارقة في أسوأ ما يمكن تصوّره من أزمات وليس الاكتفاء “بالاقتراع” الآلي ومن ثم “البصم”، وثانياً في إعطاء التصويت بعده الوطني في حماية الطائف.

أما في بعض الأرقام المتصلة بالعملية الانتخابية فتجدر الاشارة الى أن 77 لائحة تتنافس غدا في السباق الانتخابي الذي يتوزع على 15 دائرة انتخابية. ويبلغ عدد المرشحين الذين انضووا في اللوائح 597 مرشحاً بينهم 86 امرأة في رقم اعتبر قياسياً مقارنة مع الانتخابات السابقة. وارتفع عدد اللبنانيين الذين يحق لهم الاقتراع الى 3,7 مليون مواطن.

تزوير وتهديدات 

وسط هذه الأجواء لم تغب الأصداء السلبية لمحاولات تشويه الاستحقاق من خلال استباحة بعض انماط التزوير الاعلامي التي تمثلت في توزيع ناشطين مجهولين على مواقع التواصل الاجتماعي صورة مزعومة لما وصف بأنها “وثيقة سعودية سرّيّة” توصي “بدعم لوائح “تيار المستقبل” و”القوات اللبنانية” الانتخابية لأنهما سيتقدمان في أول فرصة في البرلمان بمقترح لتشريع وجود اللاجئين السوريين على الاراضي اللبنانية”. وغرّد القائم بأعمال السفارة السعودية في لبنان وليد بخاري عبر حسابه على تويتر: “المكاتبات المُفبركة التي يتم الترويج لها في تويتر وتنسب زوراً للخارجية السعودية، ما هي إلا جزء من حملة غير أخلاقية لتحقيق مكاسب سياسية، وتحتفظ السفارة بحقها القانوني في ملاحقة المزورين أمام القضاء اللبناني”.

وفي سياق آخر أصدر النائب السابق باسم السبع مساءً بياناً جاء فيه: “نظراً الى ما يحيط العملية الانتخابية في ساحل المتن الجنوبي (الضاحية) – قضاء بعبدا، من علامات استفهام وضغوط، وصلت حدود توجيه رسائل التهديد لأبناء عمومتي والمقرّبين مني، واستخدام اشخاص من آل السبع وبعض مواقع التواصل الاجتماعي لهذه المهمة غير البريئة، أتوجّه الى أهلي وأحبتي ورفاق الدرب في كل بلدات ساحل قضاء بعبدا، متمنياً عليهم مقاطعة الانتخابات والتزام منازلهم، وتجنّب كل ما يمكن أن يعرض سلامتهم وكراماتهم للإساءة والضرر”.

اضف رد