أين يذهب شيعة اليسار


سمير عطاالله
النهار
09012019

“الآن ماتت الشيوعية. وانهار الاتحاد السوفياتي ومعظم الدول والمجتمعات التي انبنت على نموذجه. سقطت “ثمرات” ثورة اكتوبر 1917 التي شكّلت مصدر الوحي الملهم لنا، مخلفة وراءها مهداً من الخرائب المادية والمعنوية والأخلاقية، بحيث اتضح ان الفشل متأصل في صميم هذا المشروع منذ البدء. لكن المنجزات تعتبر استثنائية بكل المعايير. ففي خلال اقل من ثلاثين سنة من وصول لينين الى المحطة الفنلندية، عاش ثلث البشر وكل الحكومات الواقعة عنده وبحار الصين تحت حكم الاحزاب الشيوعية”.

ايريك هوبزبوم

بعد رحلة طويلة في أقاصي اليسار، أبلغنا الزميل ابرهيم بيرم(1) أن محسن ابراهيم قرر، في عقده التاسع، الرسو على ميناء من الاشتراكية الليبرالية، معفياً نفسه مما قد مضى من صخور ووهاد وحروب ومعارك. استراحة المحاربين. أو كبيرهم. حياة حافلة بدأت بالناصرية والقرب من جمال عبد الناصر. ومرت بالانتقال الى الشيوعية في عز مجدها الأممي، ثم مع كمال جنبلاط، وفي النهاية مع ياسر عرفات، في لبنان الفلسطيني، وما بعده في تونس وفي العودة الى “المقاطعة”.

عبد الناصر في ذروة شعبيته، لا يخفي أمام أحد اعجابه بشاب لبناني يدعى محسن ابرهيم، يوم كانت زعامات لبنان في القاهرة تنتظر موعداً في منشية البكري، واعتقد ان محسن ابرهيم، أبو خالد للاصدقاء، ضرب سحره على جميع من عرف من الزعماء. خال من الكاريزمات التقليدية وأسر الخطاب، تحيط به هالة من الذكاء البرّاق ولمحات الظرف النادر، وبحر من الثقافات، التي يرثها شيعة الجنوب مع الحرمان واغراء التمرد.

كما كان العراق رحم الشعر، كان الجنوب رحم اليسار. تعلموه من الاقطاع في أكثر اشكاله تبلداً وتخلفاً. ورأوا الحرية في العلم، والفوز في اليسار. وتوزعوا فيه اجنحةً ومذاهب. من الحزب السوري القومي، الى الجبهة الشعبية، الى المباشرة في الحزب الشيوعي. وفي هذا الحزب سوف يلتقي المهندس انطون ثابت، الذي يملك نصف الاشرفية، وكريم مروه، وجورج حاوي الذي كان لا يفوِّت قداس الأحد من أجل ان يضرع لماركس. كارل ماركس.

اول مرة التقيت جورج حاوي كانت في معايدة المتروبوليت الياس عوده بالفصح. ومن ثم كل ميلاد، أو فصح. فمطران بيروت بالنسبة اليَّ وإلى سائر المسلمين والمسيحيين واللاادريين والشيوعيين، هو أمير الكنيسة في العاصمة، وملك الآداب وسعة الروح.

الشيعة واليسار ، حكاية من دراميات لبنان وعذوباته الجميلة. في الوقت الذي كان محسن ابرهيم يشد المراسي عند شيء من الليبرالية والاشتراكية، كان جهاد الزين يعرض مرحلته ومرحلة لبنان باعتباره “يسارياً سابقاً”(2).

لا يخبرنا من وماذا هو جهاد الزين الحالي. أو ربما لا حاجة الى ذلك. ليس من الضروري الوقوع في خيبة أخرى. أليس الإنسان الحر نتاج أشياء كثيرة وخلاصة روح واحدة. وهل اليسار في نهاية المطاف، إلا تسمية مرحلية لما تمر به الشعوب، ويعبره خصوصاً المفكرون، في عصف ثقافي دائم؟

ولعل هذه ميزة اليسار في الأساس. وطالما حركت تياراته في لبنان، جمودات اليمين، وأدى الصراع بينهما الى قيام طبقة ثالثة، ليبرالية في آفاقها، مدنية ومنفتحة ومائلة نحو اشتراكية إنسانية، لا يعلو فوقها شاربا يوسف ستالين أو دبابات بريجنيف.

ربما كان طبيعياً أن يكون الجنوب السابق رحم اليسار الطبيعي. منذ سنوات لم اقرأ مذكرات ممتعة مثل “ملحمة الخيارات الصعبة” أو يوميات الطبيب كامل مهنا(3). اليسار هنا ليس كتباً ولا محاضرات ولا ندوات، بل طبيب يتخرج من فرنسا ويعالج في تل الزعتر والنبعة وسائر الجبهات. وينضم الى جبهات التحرير في كل العالم من غير ان ينضوي في حزب واحد. وينوي الزواج من جميع رفيقات الدراسة في فرنسا لكنه لا يتزوج إلا من البنت التي انتقاها له والده في الخيام، بعدما ظل يكرر طوال 35 عاما أنه ضد الزواج التقليدي.

كان رفاقه في فرنسا – أو رفيقاته – يسمونه ميشال بيكولي، بسبب الشبه الشديد مع النجم الأصلع الوحيد في السينما الفرنسية. لم يغره الاطراء كثيراً. لبى نداء الخيام والجنوب وفلسطين وغيفارا. والآن؟

الآن كامل مهنا يرأس مؤسسة”عامل” ويديرها ويتكرس لها. جيش من المتطوعين، يعملون لا لليسار ولا لليمين. للناس.

خطر لي ضاحكاً ولكن بصدق حقيقي، لماذا لا يشكل محسن ابرهيم وحبيب صادق وجهاد الزين وكامل مهنا وكريم مروة نادياً لذوي التجارب السياسية الكبرى؟ وإذا كانوا يخشون تهمة المناطقية، أنا عليّ، ضم طلال سلمان من البقاع. وفي أي حال هو توأم لكامل مهنا. الأول ذهب الى الجزائر والثاني ذهب يقاتل في ظفار! النبعة الخيام تل الزعتر، وأيضاً ظفار، ولمَ لا؟ وهل نقصد ظفار التي في جبال عُمان حيث لا سرير وبالكاد خيمة من شعر الماعز تجعل منها مستوصفاً؟

هذا بالضبط ما اعنيه. إلى هناك ذهب ميشال بيكولي العرب. لكن الثورة انتهت سريعاً. وظفر قابوس الثلاثيني بالحكم. واخرج بلد والده من القرن التاسع الى القرن العشرين. والغى بوابات مسقط الأربع، ولم يعد محكوما على كل من تآخر بعد السابعة ان ينام خارجاً. إلى الآن، وزير خارجية عُمان، كان من ثوار ظفار. حيث معركة كامل مهنا و أو بالأحرى إحداها. بدل ان يتخرج طبيباً ليعمل في وجاهة المهنة، مضى فوراً إلى تقليد الطبيب الارجنتيني. في الميدان.

تتحول مشاق كامل مهنا الى لطائف، عندما يكون بين مرضاه في القرى مريض وهم يعالجه “بالسكَّر الطبي”. أي الدواء الوهمي ايضاً. أو من يطلب منه مساعدته في طرد الجنيّة من زوجته، فينصحه بأن يغرقها بالهدايا عندما يخبره انها في التاسعة عشرة.

تقرأ في “ملحمة الخيارات الصعبة” تغريبة لبنان الجنوبي كما تقرأ تغريبة بني هلال. الماضي لا تعاد كتابته لكن تعاد صياغته. لذلك، ترى كريم مروه وقد اصبح مؤرخاً، يجول في شخصيات لبنان والعرب، أقل نقداً وأكثر عطفاً. لقد أودع لينين وستالين في تاريخ الحزب، واستبقى معلمه الأول، ماركس، يستعير من آدابه، التي تحولت، في أي حال، ألى “سكر طبي”، لا ينفع إلا في التخيُّل. لقد هزمه التجار وأثرياء الحروب واغراءات السوق واغواء البورصة.

لم يسقط الاتحاد السوفياتي في “حرب النجوم” كما قيل، بل حروب أقل كلفة ودماراً بكثير. حرب الوجبات السريعة بدل الطوابير، والخبز المغلف بالحرية الفردية، وسحر الضحك والفرح، بدل الوجوه المقطبة. قسم الاتحاد السوفياتي العالم الى قسمين: خلف وأمام الجدار. ولما سقط، ظن أهل هذا القاطع ان الجنة في القاطع الآخر. فاندفعوا مثل محكومي السجن المؤبد.

نرى ميشال بيكولي لبنان، أو غيفارا الحليق، يعمل مع الصليب الأحمر وبرنار كوشنير (أطباء بلا حدود) والجمعيات البروتستانتية التي تتبرع لفك الحصار عن النبعة أو سواها. ونرى جهاد الزين في “المهنة الآثمة” مفكراً بلا آثام. مجرد احلام صعبة خطرت له كما خطرت لسواه. والفارق ان امتلاءه بالحرية يملأه شعوراً بالإثم أو بالذنب.

لست أعرف اين يستقبل أبو خالد محسن ابرهيم، الراغبين في الانضمام الى حزبه الجديد. كان أحب عليّ، لولا تلك الخصلة القديمة القانعة، بأن أضيق الحريات أفضل من أوسع الاحزاب.

(1) ابرهيم بيرم، “النهار”.

(2) جهاد الزين “المهنة الآثمة”، رياض الريس للنشر.

(3) ملحمة الخيارات الصعبة، كامل مهنا، دار الفارابي، طبعة ثالثة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*