الرئيسية / home slide / أين كنت في 17 اكتوبر؟

أين كنت في 17 اكتوبر؟

18-01-2023 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

سمير عطالله

أرشيفية (نبيل إسماعيل).

أرشيفية (نبيل إسماعيل).

“أغادر المنزل وكلّي أمل بأن ألتقيه في التظاهرة. هل سيكون هناك؟
سأرشّ عطري المفضّل في الحالتين”.
تالا مجذوب

مسألة ذاتية لا عامة. حتى لو كان مكرّرو التفاهة جماعات كثيرة، أو متسلطين، أو حمقى. وليست مسؤولية التاريخ أن أكثرية البشر عبر العصور، حالات مروّعة من الغباء والحمق والغضب. ولا هي مسؤوليته أن مئات السنين تمضي وليس فيها سوى ديغول واحد، ومتنبّي واحد، وموزارت واحد، ودافنشي واحد. الأحداث تتشابه على مرّ الزمن، لكنها لا تتكرر. ولو تكررت، لما كنا نبحث اليوم عبثاً عن فؤاد شهاب آخر. أو لو كان الياس سركيس ينتخب رئيساً ويعود الى شقته وحيداً آمناً، لا موكباً حقيراً يحقّره، ولا حاشية تطوّقه، ولا غروراً يسمّم حياة الناس ويزعزع معيشتهم ويبدّد كل ما مضى من جنى، وما حق من أحلام.

التشابه ليس تكراراً. والتاريخ باب ضيّق. لذلك يمرّ به مليار ثرثار ويخرج منه أفلاطون واحد، ونابوليون واحد، ولنكولن واحد، وأديسون واحد يضيء ظلمة الأرض أكثر من كل المجرّات. أما عدد الجباة والسماسرة، فهم بالملايين.

لا تستطيع أن “تعيّن” عبقرياً بمرسوم. تطلب ورقة وقلماً وتكتب: نحن قاضي القضاة وكبير الوزراء وأمير الحكام، بناءً على القانون، نعيّن ابن خالتنا عبقرياً خلفاً لعاصي الرحباني. ليس لعاصي الرحباني خلف في العبقرية. له خلف في بلدية انطلياس. ولمنصور خلف في بلدية بيروت. ونياشين ونجوم بلدية باريس لا يمكن أن تكرر منصور آخر:

رابي أنا بهالجرد
رابي بحفافي البرد
بجبال خلف جبال
ما بيقطعا الخيّال
وما فيه حدا بيقطع فيا
إلّا نحن والصوت والموال
وشي كم رفّ حجال

قبل منصور وعاصي كانت لغتنا في القراديّات والقوّالين. نزل هذان العملاقان من الجرد فصار للشعر العامي صقل مثل رامبو، ورجا مثل حملان المسيح. اكتشفا أن كل شيء يبدأ في اللغة. في الكلمة. لا تستطيع أن تكون فناناً وسفيهاً. أميراً وسيّئ الخلق والأدب والتعبير. صقلا لنا لغة في عبقرية الفصحى، ومالا على الفصحى فرقَّقا في عودها حتى غنت وأطربت “لملمتُ ذكرى لقاء الأمس بالهدب”.

تصادف اسم “ثورة #17 تشرين (أكتوبر) مع “ثورة 17 أكتوبر”. الأخيرة كانت تُرفق دائماً “بالمجيدة” أو “المباركة”. والمباركة خطأ عاطفي عفوي، لأن الرفاق في مدار لينين لم يؤمنوا أبداً ببركة الله وسائر متفرّعات “الأفيون”. وما عاد الأمر مهماً. فقد انتهت ثورة 17 اكتوبر بأيدي الورثة، وانتهت 17 تشرين على سرير الولادة، حلماً عاصفاً وقصيراً ولا أب له، مثل زهير بن أبي سلمى.

لا أعتقد أن 17 تشرين يمكن أن تتكرر: ما كان حلمها إلّا حلماً. ليس في كل عام أو عقد يصفو العقل ويتقى القلب. في بلد ملوّث حتى الغيبوبة بغباء الطائفية وخدر الفساد. ولّت 17 تشرين مع ما ولّى من ظواهر ومشاعر نبيلة، ضرب الفاسقون حولها الخناق. ولَّت، والفارق بين شبابها وبين أهل السلطة ألف عام على الأقل. الفارق بين غزارة الحياة وجفاف الحياة. بين الوعد بالجنة والوعد بجهنم. بين الأمل بدفء الوطن، والرمي بين أقدام الهجرة واليأس وثقافة اللؤم، وتفاهة المرقعة.

أفظع ما في 17 تشرين، ذلك الفارق الزمني الذهني والثقافي والحضاري، بين الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة. العقل والشرطة. الروح والسوط. المسيح وصالبيه، والهازئين به وبصليبه: الآن هات أرنا كيف تخلّص نفسك يا ملك اليهود.

صدر عن “دار نلسون” كتاب بعنوان “دعوة الى العشاء” للدكتور رشيد الضعيف. يضمّ الكتاب مجموعة من النصوص التي وضعها طلّابه وطالباته في فصل الكتابة الإبداعية في الجامعة الأميركية. كل تلك النصوص كُتبت في مناخ وأجواء 17 تشرين، وأعمار كتبتها تراوح بين 20 عاماً (الأكثرية) و 23 عاماً.

القاسم المشترك بين تلك النصوص، هو الحبّ. حبّ الآخر وحبّ النفس وحبّ الحياة. وأحياناً، وبكل بساطة وصراحة وتوقيع معلن، حبّ الحبّ، المعروف حالياً بالجنس. هناك هموم أخرى طبعاً، العلم والعمل والمستقبل. وهناك ما يؤذي هذه المجموعة النابضة بالمشاعر والشباب: مشاهد الفقر والبؤس والغياب التام للسلطة عمّا يحدث للدولة والناس من انهيار مروّع، وخصوصاً الأنانية الوحشية (وليس المتوحشة) التي يظهرها أهل السلطة، إما عن جهل تام أو عن تجاهل إجرامي وخِسّة في الوجدان.

لا يمكن لرجال السلطة أن يقرؤوا، لا في أعمال رشيد الضعيف ولا في نصوص تلامذته. ليس في قراءتهم ومرجعياتهم سوى تقارير المخبرين وفتاوى المسترزقين. وما عدا ذلك لا يدرّ مالاً ولا نفوذاً ولا مواكب لا مثيل لفقاعتها في الأرض.