الرئيسية / home slide / أين خطابكَ من جوهر المبادرة الفرنسيّة و… مطالب الثوّار الأحرار، يا سيّد؟

أين خطابكَ من جوهر المبادرة الفرنسيّة و… مطالب الثوّار الأحرار، يا سيّد؟

30-09-2020 | 23:57 المصدر: النهار

عقل العويط

مطالب الثوّار الأحرار

 لفتني في خطاب السيّد حسن نصرالله ليلة الثلثاء 29 أيلول موقفان متناقضان شكلًا ومضموناً، بل ثلاثة مواقف:الأول، استمرار تأييده المبادرة الفرنسيّة التي تقول بتنحية الأحزاب السياسيّة موقّتًا عن المشاركة في السلطة، وتأليف “حكومة مهمّة”، من وزراء مستقلّين اختصاصيّين، تاركًا بذلك الباب مفتوحًا أمام هذه المبادرة، على رغم تحفّظه عن المواقف التي أعلنها الرئيس الفرنسيّ في مؤتمره الصحافيّ حول لبنان وقادة الطبقة السياسيّة اللبنانيّة، وعن النبرة “التخوينيّة” في التوجّه إلى هؤلاء.الثاني، إصراره باسم “الثنائيّ الشيعيّ” على اختيار وزرائه بنفسه في الحكومة.لا أعرف كيف يستطيع المنطق والتحليل والتأويل والديالكتيك والإقناع والاقتناع، استيعاب التناقض الجوهريّ في الموقفَين هذَين، لأنّهما، بكلّ تواضع، فوق قدرة العقل: كيف تؤيّد المبادرة الفرنسيّة، أيّها السيّد، وتصرّ في الآن نفسه على تسمية وزرائكَ بنفسكَ؟لكنّي، والحقّ يقال، أشكركَ على هذا التناقض، بسبب وضوحه. لأنّه يعني أنّكَ، عمليًّا وواقعيًّا، ضدّ المبادرة الفرنسيّة التي تنسفها من أساسها: الفرنسيّون يريدون حكومةً مستقلّةً من خارج الطبقة السياسيّة، وأنتَ تريد استلال هذه الحكومة من قلب النخاع الشوكيّ لهذه الطبقة السياسيّة.اصراركَ على تسمية وزرائكَ، يعني عمليًّا وواقعيًّا، أنّك تدعو بقيّة الأحزاب والتيّارات السياسيّة والكتل النيابيّة التابعة لها، إلى تسمية وزرائها بنفسها.فكيف تكون تؤيّد المبادرة الفرنسيّة؟!ثمّ إنّ منهجًا ديالكتيكيًّا كهذا، بما ينطوي عليه من وضوحٍ فاقعٍ، يعني، من حيث الاستخلاص والاستنتاج والاستطراد، أنّ أحزاب الطوائف هي التي يجب أنْ تختار وزراءها.ويعني استطرادًا، أنّ خلاص البلاد و”الوحدة الوطنيّة المنشودة” التي تنادي بها، أيّها السيّد، لا يتحقّقان إلّا بهذه الطريقة التي أمّنت في ما مضى، وتريدها أنْ تظلّ تؤمّن لقادة الأحزاب الطائفيّة والمذهبيّة استمرار وضع اليد على منابع الخير العامّ، ومواصلة عمليّة التقاسم والنهب، وصولًا إلى اندثار مؤسّسة الدولة وزوالها الكاملين. مش هيك، أيّها السيّد؟!ثمّ، على سبيل التساؤل المرير: أهذا هو المنهج الذي يفضي إلى إقامة الدولة المدنيّة التي ينادي بها “الثنائيّ الشيعي”، وعلى وجه الخصوص رئيس مجلس النوّاب، رئيس حركة “أمل”، رئيس “كتلة التنمية والتحرير”؟! أهذا هو المنهج؟ أهذه هي البوصلة، والطريق؟!قلتُ في البداية إنّه لفتني في خطاب السيّد حسن نصرالله ليلة الثلثاء موقفان متناقضان شكلًا ومضموناً، بل ثلاثة مواقف.هذا هو الموقف الثالث: لا مانع عند “الثنائيّ الشيعيّ” من عودة سعد الحريري إلى الرئاسة الثالثة، على رغم الاختلافات معه. نفهم من ذلك أنك كنت ولا تزال مع عودة الحريري ولكن شرط أن تختار الأحزاب، وبينها حزبك، كل الوزراء، على ان نُلبسهم قبعة اختصاصيّين. هل تعتقد أن هذا ما ترمي اليه المبادرة الفرنسيّة؟ وهل تريد المبادرة الفرنسيّة عودة الحريري؟ وهل وجود الحريري سيجعل الحكومة مختلفةً عن الحكومات السابقة؟أحقًّا أنتَ مقتنعٌ، أيّها السيّد، بأنّ المواقف هذه تتوافق مع المبادرة الفرنسيّة؟أحقًّا تريد أنْ تقنع الفرنسيين بأنّكَ مع مبادرتهم؟!يمكنكَ، أيّها السيّد، أنْ تسوّي أموركَ مع الفرنسيّين بالطريقة الاقناعيّة التي تراها مناسبةً. هذا شأنكَ وشأنهم.كما يمكنكَ، أيّها السيّد، أنْ تخاطب جمهوركَ بالطريقة التي تراها مناسبةً، وقد تلقى عندهم كلّ الآذان الصاغية. أمّا إذا كنتَ تريد أنْ تقنع الموجوعين والفقراء والمشرّدين والجوعى والمرضى واليائسين من مواطناتكَ ومواطنيكَ، أكان هؤلاء منتمين إلى أحزاب الطوائف والمذاهب، أم كانوا عابرين فوقها، ورافضين لها، وثائرين عليها، كما الأحرار الثوّار، المدنيّين حقًّا، العلمانيّين حقًا، والتغييريين حقًّا…، أمّا أنْ تقنع هؤلاء بهذا الخطاب، فإنّي أؤكّد لكَ أنّكَ قد أخطأتَ التهديف تمامًا. هؤلاء الأحرار الثوّار، وبينهم كُثُرٌ غفيرون من الشيعة الخارجين على “الثنائيّ الشيعيّ”، ومن الخارجين على أحزاب طوائفهم ومذاهبهم كافّة، ألا يعنيكَ ماذا يريدون، وأيّ حكومةٍ يبتغون؟! ألا تعرف أنّهم قطعوا الحبال والجسور مع هذه الطبقة السياسيّة التي خرّبت حياتهم وجعلت بلادهم على شفا الانهيار والزوال؟!ثمّ إنّ خطابكَ هذا، بنقاطه المشار إليها أعلاه خصوصًا، يعيدنا إلى النقطة الصفر: استحالة تأليف حكومة مستقلّة بتنحية الطبقة السياسيّة موقّتًا، كما يقترح الفرنسيّون، وكما… يشتهي الثوّار الأحرار اللبنانيّون، هؤلاء الذين ضاق ذرعهم بوجود كابوس هذه الطبقة السياسيّة على صدورهم وصدر بلادهم.أيعني هذا، أنّكَ تريد عمليًّا وواقعيًّا ومنطقيًّا، أيّها السيّد، أنْ توصل البلاد إلى تعويم حكومة تصريف الأعمال المستقيلة، السيّئ ذكرها، أم تريد ترك هذه البلاد تواجه مصيرها العدميّ، الكيانيّ والوطنيّ والسياسيّ والمجتمعيّ والتربويّ والماليّ والاقتصاديّ والمعيشيّ، بما ينطوي عليه هذا المصير من احتمالاتٍ لا تُبقي ولا تَذَر، ومن أخطارٍ قصوى غير مسبوقةٍ على الجغرافيا، وعلى الحجر والبشر!؟ بكلّ تحفّظ واحترام.

akl.awit@annahar.com.lb