أين تقف حدود الخنق الأميركي لـ”حزب الله”؟ وإلامَ يؤدي الرقص على حافة الهاوية؟

نصرالله في الليلة العاشورائية الأولى (أب).

ليس مصادفة أو بريئا ان تصدر الخزانة الاميركية حكم الإعدام بمصرف لبناني على خلفية ارتباطه بـ”حزب الله”، غداة اعتداء اسرائيلي بطائرتين مسيّرتين على عمق الحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت.

في حين كانت السلطات النقدية والمصرفية تبلغت تعهدا أميركيا بعد استهداف القطاع المصرفي اللبناني، جاء قرار الخزانة الاميركية إدراج مصرف “جمّال ترست بنك” على لائحة العقوبات ليشكل مفاجأة غير متوقعة في هذا التوقيت، نظرا الى ما يحمله في طياته من رسائل تصب في السياسة في الدرجة الاولى.

لم تفلح محادثات رئيس الحكومة سعد الحريري في واشنطن قبل أسابيع قليلة في ثني الخزانة عن السير بقرار العقوبات. وفي هذا القرار رسالة سياسية أميركية واضحة، مفادها مضي إدارة الرئيس دونالد ترامب في خيارها اعتماد العقوبات الاقتصادية وسيلة أنجع في خنق الحزب وتجفيف منابعه، بقطع النظر عن ارتدادات العقوبات على لبنان وقطاعه المصرفي.

فهمت المصارف تلك الرسالة منذ العام 2011، تاريخ إعدام البنك اللبناني- الكندي. فانتقلت من سياسة الانزواء وتلقي الضربات الى سياسة المبادرة والتسويق، عبر التواصل المباشر مع الاجهزة الاميركية المعنية في واشنطن ومع المصارف المراسلة في نيويورك، بهدف شرح واقع المصارف والجهود التي تبذلها من أجل مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب وإبقاء القطاع في منأى عن أي تعاملات يمكن ان يجريها اشخاص او شركات او مجموعات مدرجة على لوائح الارهاب.

لكن ظروف 2011 تختلف عن الظروف الحالية، إذ يرزح الاقتصاد تحت وطأة الركود، والمالية العامة تحت عجوزات كبيرة، فيما يحمل القطاع المصرفي الجزء الاكبر من الدين السيادي للدولة، المصنف أخيرا في مرتبة المخاطر الكبيرة من العجز عن السداد.

ورغم شدة هذه الظروف وخطورتها، والتي تضع البلاد على حافة الهاوية مرة جديدة، سارعت السلطات النقدية والمالية والمصارف الى احتواء اي تداعيات على مناخ الثقة بالقطاع، علما ان هذا العمل كان بدأ قبل أشهر، وتحديدا منذ وضع هذا المصرف الى جانب مصرف آخر ضمن دائرة الشكاوى الاميركية. وكما قال حاكم المصرف المركزي، أكدت مصادر “جمال ترست بنك” ان المصرف سبق ان اتخذ كل الاحتياطات من خلال تأمين السيولة الكافية بتلبية كل طلبات المودعين، وبالتالي لا يواجه المصرف ازمة ملاءة، كما أن حجمه لا يشكل أكثر من 0,38 في المئة من مجموع القطاع المصرفي. وهو سيكون امام أحد خيارين، إما التصفية الذاتية وإما اتباع النموذج الذي طبق على البنك اللبناني- الكندي من خلال بيع الموجودات والمطلوبات برعاية وإشراف من المصرف المركزي إذا أبدت مصارف شهيّة على ذلك.

وفي رأي مصادر مصرفية أن الحل للأزمة المستجدة جراء العقوبات موجود، وليس صعبا، ولكن الصعب هو التوقيت الذي جاء فيه القرار والذي يعكس الجدية الاميركية في تضييق الخناق على بيئة “حزب الله” وعلى كل من يشتبه في تعاطفه او تعامله معه، غير مستبعدة أن ترتفع حدة العقوبات لتشمل لائحة جديدة في المدى القريب.

لكن المصادر لم تخف استغرابها لعدم مبادرة السلطات الرسمية من خارج السلطات المالية والنقدية الى التحرك فورا من أجل البحث عن حلول تطمئن وتقلل من حدة المخاطر التي يمكن ان تتعرض لها البلاد، خصوصا أن كل الاجواء التي ترشح عن طاولة الحوار الاقتصادي المرتقبة في قصر بعبدا الاثنين المقبل لا تشي بإيجابيات في ظل ارتفاع وتيرة الكلام على اجراءات غير شعبية سيتم تأمين الغطاء لإدراجها في مشروع موازنة 2020، والذي بشّر وزير المال أمس بأنه أنجز.

ورأت المصادر أن القرار الاميركي يستوجب التعجيل في اتخاذ قرار على صعيد ملء الشواغر في حاكمية المصرف المركزي بعدما فرغت بانتهاء ولاية نواب الحاكم، مشيرة الى ان الظرف الراهن لا يترك للحكومة والقوى السياسية ترف التلهي بحساباتهم الشخصية والسياسية. فالحاكم اليوم وحيد ولا يمتلك الصلاحيات الكاملة للتحرك اذا ما حظي بموافقة المجلس المركزي، وهذا يتطلب التوافق سريعا على هذه المسألة وادراجها على جدول اعمال اول جلسة لمجلس الوزراء.

sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*