الرئيسية / مقالات / أين المعارضة والخارج من تغييرات خطيرة؟

أين المعارضة والخارج من تغييرات خطيرة؟

بيروت (تصوير نبيل اسماعيل).

هل الامور متروكة فعلا لقوى 8 آذار من التحالف العوني مع “حزب الله” وحركة “امل” على رغم تمايز مواقف معينة للرئيس نبيه بري، من اجل وضع اليد على البلد ككل في القطاع المصرفي وتعييناته وسائر الملفات الاخرى؟ ام ان هناك استفادة من الوقت الضائع وانشغال الدول التي تهتم عادة بلبنان بمكافحة وباء الكورونا من اجل تمرير محاصصات واعادة هيكلة القطاع المصرفي وفق ما يناسب القوى المتحكمة بالبلد حالياً؟

هذه الاسئلة تثار على خلفية امرين على الاقل: ان “حزب الله” وان كان نفى بجهد ان الحكومة حكومته الا انه املى ويملي على المصارف خريطة الطريق التي يجب ان تتبعها. والامر الثاني لدى تأليف الحكومة من تكنوقراط في الظاهر وتولي قوى 8 آذار تسمية الحكومة رئيسا ووزراء اشيعت اجواء من هذه القوى عن رضى اميركي عن حكومة مستقلين على وقع استجابة حتمية لمطالب اللبنانيين في انتفاضة 17 تشرين الاول الماضي. عد الموقف الاميركي انذاك في ضوء زيارة الوكيل الاول لوزارة الخارجية الاميركية ديفيد هيل الذي يعرف لبنان وسياسييه جيدا ولا يستفز قوى 8 آذار انه رضى اميركي عن الحكومة. واعقب ذلك ترويج عامل اخر يتصل بان الحكومة التي يرأسها نائب رئيس الجامعة الاميركية حسان دياب لا يستفز الاميركيين وكذلك الامر بالنسبة الى وزراء وزعت نبذات عن حيازتهم جنسية اميركية او اجنبية وذلك من باب الطمأنة الى ان الحكومة تحظى بالرضى الاميركي لكن ايضا من باب عدم امكان اقدامها على ما قد يستفز الاميركيين. وابان التعيينات المالية الاخيرة التي فجرها استئثار التيار العوني وحلفائه بغالبية المواقع هدد الوزير السابق سليمان فرنجيه بالاستقالة وسرت معطيات تفيد بانه لو قبل بما عرض عليه لكانت الحكومة اصدرت التعيينات في اشارة الى استهانة بمواقف المعارضة التي يمثلها الثقل السني مع قوى 14 آذار سابقا. الا ان بعض المواقف ومنها للنائب حسن فضل الله من “كتلة الوفاء للمقاومة” خرجت لتعزو تراجع الرئيس حسان دياب عن السير بالتعيينات المالية الى اعتراض اميركي على ابعاد احد نواب حاكم مصرف لبنان. وهو امر اثار ردا من الناطق باسم السفارة الاميركية كايسي بونفيلد اظهر فيه امرين احدهما ان واشنطن ترصد “المرحلة الدقيقة لناحية إمكان تحقيق الاستقرار الاقتصادي في لبنان والاخر ان التعيينات في المصرف المركزي شأن لبناني ومن الطبيعي للولايات المتحدة كصديق وشريك للبنان أن تُقدّم النصائح بشأن تعيين خبراء موثوق بهم”.

ولعل القوى المتحكمة بالحكومة اختارت ايضا وصول سفيرة اميركية جديدة دهمها الانشغال اللبناني والخارجي بوباء الكورونا ولم تتمكن من الانطلاق في مهمتها بعد من اجل المضي في المزيد من اجراءات الامر الواقع. لكن هذا لم يمنعها على ما يبدو من القيام بزيارات لها دلالاتها في هذه المرحلة احداهما لوزير المال غازي وزني ووزيرة العدل ماري كلود نجم على خلفية ملفين شائكين تتحكم من خلالهما السلطة السياسية بالحكومة. ومن غير المستغرب ان يكون وصل الى غالبية السفراء كما الى السفيرة الاميركية ان هذه التعيينات كانت الى حد كبير مقررة باسماء معينة على رغم التمويه امام اللبنانيين بان هناك ثلاثة اسماء مقترحة من الوزراء لكل منصب مالي فيما ان اسماء خبراء وضعت على اللائحة فقط فيما هؤلاء في الولايات المتحدة والدول الغربية ولا ينوون العودة وفوجئوا بادراج اسمائهم من دون اعلامهم بذلك لكن من اجل اشاعة الحكومة انطباعا باختيار او تذكية ديموقراطية وليس بعملية اسقاط محاصصية.

بالنسبة الى سياسيين مراقبين، فان المؤشرين الاميركيين المذكورين ينمان عن اهتمام ومتابعة وعدم ترك الامور مفتوحة امام قوى الثامن من آذار لارساء تركيبة بعيدة المدى تخدم مصالحها فحسب. ولعل واشنطن في وارد التعبير عن ذلك في وقت قريب تدليلا عن عدم غيابها عن المشهد اللبناني علما ان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة توجها الى الولايات المتحدة من ضمن مجموعة الدعم الدولية من اجل مساعدة لبنان ماليا علما ان واشنطن تعتبر ان الاصلاح الحقيقي والملموس هو السبيل الوحيد لوصول المساعدات الدولية الى لبنان. لكن قوى المعارضة تراهن في الواقع على نفسها في الدرجة الاولى من اجل تعطيل المنحى الذي يدفع اليه البلد ورفع الصوت الى درجة لا تسمح للحكومة بان تنفذ سياسات القوى التي جاءت بها فحسب. اذ يعتقد كثيرون ان هناك تأميما للودائع وان القاء التبعات على المصرف المركزي وحاكمه في ظل عجز عن تغييره انما يضرب اسس النظام المالي الحر في ظل تساؤلات كبيرة اذا كان الرئيس “القوي” يدفع بذلك او هو يسمح به او يسعى اليه اي هذا التغيير الجذري في النظام المالي الذي كان اساسا في قوة المسيحيين في لبنان. وهؤلاء يعتقدون ان القطاع المصرفي الذي كان احد ركيزتين بالنسبة الى الولايات المتحدة في لبنان الى جانب الجيش اللبناني تتم تصفيته في ظل اخطاء جسيمة ارتكبتها المصارف لكن ذلك من شأنه تقويض طبيعة المقاربة الاميركية للبنان ويهز اركانها ايا تكن طبيعة الاهتمام او المصالح الاميركية في لبنان والتي تتضارب الاراء في شأنها ازاء ما يمكن ان يعنيه لبنان فعلا لواشنطن وهو ليس امرا مهما او انه اهتمام على وقع عدم ترك ايران عبر “حزب الله” تضع اسس النظام الذي يناسبهما في لبنان.

هناك نقطتان لا بد منهما: احدهما انه يتعين على المعارضة ايا تكن خلافاتها عدم ترك البلد لقمة سائغة لطموحات محلية او اقليمية تؤدي الى تغيير نظامه. فهذه مسؤوليتها قبل اي مسؤولية اخرى. واذا صح ان هناك مخاطرتدفع بلبنان الى منزلقات خطيرة، فان التجارب التاريخية الحديثة تظهر بوضوح القدرة على منع ذلك داخليا وامكان لفت الخارج الذي يهتم بلبنان الى توجيه التحذيرات اللازمة للحؤول دون ذلك.

اضف رد