أيقونات الثورات العربية، والحراك السلمي؟

واسيني الأعرج
القدس العربي
22052019

لماذا غابت الأيقونة في الثورات العربية الدموية المغدورة، وحضرت في الثورات السلمية؟ هل لأن الدم والأيقونة متناقضان جوهرياً، من حيث هي شمولية بينما الدم ينتج عن اصطفاف مسبق، حزبي، ديني، إثني أو طائفي، كما حدث في مصر وسوريا وليبيا واليمن؟ الأيقونة لا تنتمي إلى تنظيم أو مجموعة بعينها، ولكن إلى وطن، وإلا لن تكوّن تعبيرها كاملاً وشاملاً، إذ لا توجد ثورة حقيقية بلا أيقونة تقودها وتجسدها. فهي حاجة وضرورة تاريخية. هي شكل من أشكال الإجماع العام، خارج كل الاختلافات. هذا طبعاً لا يعني أن الأيقونات جهد ثقافي مسبق ومخطط له، وليست نتاجاً لثقافة فردية استثنائية. كثيراً ما تكون الأيقونة تعبيراً فقط عن لحظة قوية مشحونة، يعبر عنها فرد معين في لحظة تاريخية حتى بشكل لا واع. ثم يأتي الحراك الشعبي ليضفي عليها حالة الاستثناء والخصوصية والديمومة.
جميلة بوحيرد مثلاً، لم تكن ذات ثقافة واسعة أو استثنائية. التحقت بمعهد للخياطة والتفصيل، إذ كانت تهوى تصميم الأزياء. ثم مارست الرقص الكلاسيكي، تحب ركوب الخيل، قبل أن تتطوع في المنظمة الفدائية التي كانت مدرستها الأساسية. لم تصدق جميلة، بل ضحكت وهي تسمع حكم الإعدام وتتحول لحظتها إلى أيقونة إنسانية. السبب في الحكم عليها بالإعدام هو أنها وضعت في 1956 قنبلة في سوق موريتانية ولكنها لم تنفجر. وكأن القدر نفسه منحها مخرجاً ضئيلاً أمام عدالة تسير في اتجاه واحد، لتستمر في الحياة. ولكنها في أبريل/نيسان 1957 جرحت في حملة عسكرية في العاصمة، وألقي القبض عليها وحوكمت محاكمة صورية. التنفيذ عطل بسبب الحملة الإعلامية التي شنها جاك فرجيس وصديقه جورج ارنو اللذان استماتا في الذهاب بالقضية بعيداً، وتدويلها، مع فضح ممارسات التقتيل الجماعي في الجزائر والتعذيب. فنشر كتاباً في الدفاع عن جميلة برفقة صديقه جورج آرنو Pour Djamila Bouhired (من أجل جميلة) فتحول الكتاب إلى مرافعة من أجل المناضلة الكبيرة جميلة التي تشارك اليوم في الحراك الاجتماعي في الجزائر. سألها وكيل الدولة الذي أصر على حكم الإعدام وحصل عليه: أنت فرنسية، لماذا تفعلين هذا؟ أجابت ببرودة دم وثقة كبيرة: أنا جزائرية. وعندما اتهمها بالإرهاب، أجابت بأنها ليست إرهابية، ولكنها مقاومة للاستعمار.
الناس يقدرونها اليوم كثيراً لنضالها، لكن تحليلاتها ليست صائبة دائماً، بل وتضر بصورة الأيقونة. لتستمر الأيقونة في الحياة، عليها أن تخرج من الدوائر الضيقة؛ لأن أي خطأ يمكنه أن يكسرها. لا يمكنها أن تحتل مكان الشاب سفيان الذي خرج من قلب رماد الحراك ونضاله. هو الذي قال رداً على مراسلة «سكاي نيوز عربية» ياسمين مسوس، وهي تتحدث عن تهنئة الجزائريين بعضهم بعضاً، باستقالة بوتفليقة: هذا غير صحيح. لسنا مقتنعين بهذا التغيير. لقد استبدلوا قطعة شطرنج بأخرى. يتنحاوا ڤًاعْ (ليتنحّوا جميعاً). على النظام أن يرحل بجميع تركيبته. أصبحت المقولة التي يكررها الحراك كله وما يزال، لأنها تعبير عن جوهره. كلما سجن من العصابة شخص، أو استقال واحد من كبار الأسماك، ترددت جملة سفيان تركي وشعاره العفوي والشعبي. ليس سفيان رجل ثقافة، ولم يدّع ذلك، ليس متحزباً، ولكنه مسلح بالدفاع عن الحق. يشتغل في مطعم بيتزا، قدم ملفاً للحصول على عمل في المطار الجديد، لكن المحسوبية أغلقت أمامه كل الأبواب. أب لطفلين. أصبح سفيان اليوم يتفادى الكثير من المعجبين، في الطرقات، الذين يحبهم ويريدون التصور معه. أصبحت جملة: يروحوا ڤًاعْ ماركة مسجلة. مثله مثل البوعزيزي التونسي، الذي أحرق نفسه احتجاجاً على إهانة الشرطية له. لم يكن ذا ثقافة استثنائية هو أيضاً. شعبي عبر عن جرح تونسي عميق. من حيث لا يدري، خلق سفيان شعاراً هو الأصدق؛ إذ لا يكفي أن يذهب رأس النظام ويبقى النظام. من أجل تغيير راديكالي. قال عندما سئل: أنا مؤمن بما قلته. وأتمنى أن يكون المستقبل أفضل على الأقل بالنسبة لابني.
الثورة السودانية أنشأت أيقونتها الجميلة المعبرة عن الحراك السلمي، وعن حقها في الوجود والتغيير والديمقراطية منذ الأيام الأولى، فأصبحت صورتها الأنيقة تمثالاً للحرية في كل مكان، تعبر عن الرغبة الكبيرة في الحلم. مصدر الأيقونة شابة سودانية آلاء صالح (الكنداكة) المستقيمة، بلباس أبيض، وقرطين ذهبيين لامعين، أصبحا جزءاً من التمثال الأنثوي الجميل. انتمت آلاء إلى الحراك واندمجت فيه وراء الملكة النوبية الأسطورية كنداكة فأصابها شيء من خلودها. قادت بنشيد ثوري جميل هو قصيدة اجتماعية لأزهري محمد علي، وبصوت جماعي، حراكاً كبيراً من الشعب السوداني ضد نظام مترهل يرأسه عمر البشير. إنسانة لا شيء يشغلها سوى الانتماء لشعبها، مع أن لا شيء كان يؤهلها لهذه الرتبة العالية للتعبير عن ثورة شعب في حالة مخاض. صاحبة الفيديو لانة هارون نشرتها في البداية في «فيسبوك» ثم «تويتر» قبل أن تتحول آلاء الطالبة في الهندسة، التي لا تخشى الاعتقال، ولا تنتمي لأي حزب سياسي، إلى أيقونة بكل المعاني، تتخاطفها المواقع الإعلامية العالمية والأوروبية والعربية. صوت المرأة ثورة وليس عورة. في ظرف وجيز تحولت إلى أيقونة ترى في كل الأماكن، وتنسج حولها الأساطير. الظرفية الخاصة لكل الثورات العربية الفاشلة التي انتهت إلى الدم لم تنجب أي أيقونة يلتف حولها الشعب، تشكل هي منارته الجماعية. بل ظلت الثورات مداً شعبياً لم يستطع أي رمز اختزاله في نموذجية معبرة. وربما لأن الدم، وجرائم التقتيل الواسعة النطاق، والتفكك المتواتر مثل الحالة الليبية والسورية وحتى اليمنية، لم يسمحوا بنشوء الأيقونة. حتى توكل كرمان، في اليمن اكتفت بنوبل التي أسعدتها ليطويها النسيان بعدها ولم نسمع لها صوتاً إلا قليلاً، أمام شعب يقتل يومياً بلا ذنب سوى أنه أراد أن يعيش حراً كما بقية الشعوب. لم ترتق توكل كرمان إلى رتبة الأيقونة لأنها لم تدخل في غمرة الحركية الشعبية التي مكنها أن ترفعها عالياً. الأيقونة لحظة رمزية تخلق حولها نظاماً مدهشاً يقع خارج إرادات الأفراد، تكاد تكون ثمرة لتشابك سلسلة من الصدف المتعاضدة مع بعضها والقدرة على التعبير عن الجوهري في لحظة زمنية محددة. الأيقونة ليست إرادة فردية أو جماعية، بل تكاد تكون قدراً مفروضاً يعتنقه الشعب بشكل جماعي وبلا تردد، ويرى فيه اختزالاً لكل أحلامه وطموحاته، بغض النظر عن الانتماءات الحزبية والدينية والعرقية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*