أيام الوباء تعود

شربل النجّار
هنا لبنان
20032020

الغريب الإسباني 1918-1919

ليست المرّة الأولى التي يمرّ على اللبنانيين ما يمر. والمصائب لم تأت يوما على لبنان مصيبة تلو أخرى بل تأتي دفعة واحدة.الفقر والجوع والأمراض والحرب منذ مئة سنة ويعد مئة سنة أي اليوم حط عندنا  الفقر والمرض والحرب من حولنا أما الآتي فليس للبنانيين إلا الوقاية والصبر.

في ما يلي نموذج لوباء الطاعون والجدري زمن بشير شهاب الثاني في ثلاثينات القن التاسع عشر ونموذج الجدري والحمّى  والصفيرة فضلًا عن الجوع والدّنَق أو البرد.

كان بشير شهاب من المحظيين تطبّبًا.فيوم كان الطاعون شغل الجيل الشاغل، أرسل له الفرنسيون أربعة أطباء داووا الكثيرينمن بطانته وأهدوا الأمير صندوقين من الأدوية للمعالجة بالإضافة الى اللقاحات الواقية.ولشدّة فتك الطاعون بالناس راح هؤلاء يوجهون بعضهم لبعض أدعية من نوع “طاعون يقشّك. وفي الفترة ذاتها إنتشر الجدري، المرض الفتّاك المشوّه. وكان الناس لا يعرفون له علاجًا إلا العزل وبعض العقاقير.يوم اكتُشف اللقاح جاء به طبيب بريطاني الى الأمير ، فلم يثق بنفعه لكنّه جرّبه على بعض خاصّته ثم أرسلهم الى “برجا”  في إقليم الخروب ليخالطوا المجدورين حيث كان المرض فتّاكًا. ولمّا تحقّق من فعاليّته “تلقّح” وأهل قصره في بيت الدين.. يخبر الأب ريكادونا في رسالة لرئيسه أن الأمير حيدر بو اللمع قائممقام النصارى في أربعينات القرن التاسع عشر  صادر هنري هنتز . فكلّما أصابه وجع رأس أرسل في طلبه وكلما شكت إبنته من ألم قال لخدمه ” إخلقوه”! حتى صار هنتز  الطبيب اليسوعي المرسل لخدمة كل النّاس ولنشر الدين “القويم” بين الناس صار خادمًا عند فرد واحد من الناس.

……

بسكنتا! مات فيها بين 1916 و1918 410 أشخاص منهم 250 شخصًا ماتوا من الجدري والصفيرة والحمّى والجوع والبرد. والباقون ماتوا جوعًا. في بسكنتا طاردت الإدارة المحليّة الأمراض بتلقيح المصابين بمرض الجدري وبالتحرّي عن كافة الأمراض ومنع المرضى من مغادرة المنازل والاختلاط بالناس. كما زنّرت منازل هؤلاء بالكلس وفَرضت حرق أغراض المريض الذي تعافى أو المريض الذي توفّي كما أمر القوميسيون (الإدارة  المحلّية البسكنتاوية أو البلديّة) بوضع الكِلس على الجثث التي يطمرونها في تراب الحقول أو المقابر. إذ إن العديد من الموتى قضوا في الحقول فطُمروا حيث قَضوا.

تعهّد القوميسيون في بسكنتا طبيبًا مداومًا داخل البلدة لا يغادرها إلّا بإذنٍ من الإدارة المحلّية التي حدّدت أجره في الليل والنهار، كما أمّنت ذلك الأجر في الحالات التي يُستعصى فيها على العائلة الدّفع. أُلزم الطبيب إعلام القوميسيون بالأمراض المجهولة، إن وجدت، وإرسال تقارير عنها للإدارة. كما أُلزم فحص الحيوانات المخصّصة للذبح قبل ذبحها وبعده. وكانت التدابير الصّارمة تؤخذ بحقّ الطبيب إن أخلّ بما هو متوجّب عليه. وإن أخَلّ دَفعَ لصندوق الإدارة المحلّية مبلغًا قدره 50 ليرة عثمانية. لم يَمُت البسكنتاويون جوعًا ومرضًا فحسب، بل قضوا من الدّنَق (البرْد) والتشليح والقتل. ومن أرهب ما ذكره الخورأسقف بطرس حبيقة أن “منظر”، بنت جرجس طانيوس عبده، تركتها أمّها في الثلج في صنّين وذهبت إلى زحلة حاملة ابنها، لأنها لم تستطع حملهما معًا، فماتت البنت دنقًا في آذار 1918. كما يروي الخورأسقف أن بعض الشيعيين ربطوا السابلة (الطريق) بين بسكنتا وزحلة في كثيرٍ من الأماكن وشلّحوا وقتلوا. وكان من الضحايا الدركي البسكنتاوي ملحم نصّار أبي فرح بعد أن قَتَلَ من الأشقياء واحدًا في 16 نيسان 1917 ومات شهيدًا.

إن ما جرى زمن الحرب الأولى لا يسأل عنه اللبنانيون أما ما يجري اليوم ففي الكثير من جوانبه مسؤولية الدولة اللبنانية وبالتالي  مسؤولية اللبنانيين.

شربل النجّار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*