أوّل لاجئي التغيّر المناخيّ في أميركا… البحر ابتلع 98% من جزيرتهم

غصّة حارقة عبّر عنها سكّان جزيرة جان شارل في ولاية لويزيانا الأميركيّة لاضطرارهم مغادرة أراضيهم بسبب ارتفاع مستوى البحر. غصّة كانت واضحة في العيون الدامعة التي نقلها تقرير عرضته شاشة “بي بي سي إيرث” الاثنين الماضي عن التغيّر المناخيّ. تتعرّض أراضي الجزيرة لابتلاع الحبر تدريجيّاً منذ أواسط خمسينات القرن الماضي لكنّه يصبح سريعاً بمرور الوقت، حيث أضحت الجزيرة تفقد ما يعادل مساحة ملعب كرة قدم كلّ 45 دقيقة تقريباً وفقاً للتقرير المتلفز نفسه. ويعدّ التغيّر المناخيّ أبرز الأسباب التي تقف خلف هذه التداعيات حتى وإن لم يكن السبب الوحيد. واضطرار هؤلاء السكّان إلى مغادرة أرض آبائهم وأجدادهم بدعم من الحكومة أطلق ما بات يُعرف بكونه عمليّة إجلاء “أوّل لاجئي التغيّر المناخيّ في البلاد”.

“مسألة وقت” قبل “أن نفنى”

“إذا تنزّهت على طول خليج ساوث تيرّيبونّي باريش، لويزيانا سنة 1955، كان من المؤكّد أن ال 22400 أكراً المذهلة (حوالي 91 مليون متر مربّع) ستلفت نظرك. إذا أخذت النزهة نفسها على الشريط الساحلي ما بعد (أعاصير) أندرو، كاترينا، غوستاف، وإيكي، فالجزيرة ستقدّم لنظرك جزءاً أقلّ بكثير، بما أنّها تقلّصت إلى 320 أكراً (حوالي 13 مليون متر مربّع)”.

الطريق الوحيد المؤدي إلى جان شارل وعليه إشارات تحذير بسبب احتمال غرقه تحت المياه، 2009 – “أ ب”

ما كتبته إميلي مارتيشنكو في موقع منظّمة (cultural survival) في 29 آذار 2019 يعدّ إثباتاً آخر على سرعة التدهور البيئيّ والجغرافيّ والسكنيّ الذي تتعرّض له الجزيرة. ونقلت عن صحيفة “واشنطن بوست” ما قاله لها رئيس المحلّة والقبيلة الخاصّة التي تحتضنها الجزيرة ألبرت ناكوين سنة 2009 حول أنّ اختفاء الجزيرة سيكون “مسألة وقت”. وأضاف أنّ الأمر قد يحتاج إلى إعصار قويّ واحد بعد قبل “أن نفنى”.

مفارقة

إذا لم تكن المشكلة المناخيّة وطبيعة الأرض المتفرّقة والمنخفضة والسدود الجرفيّة والصناعات النفطيّة كافية لتشريد سكّان الجزيرة، فإنّ تعرّضها المباشر للأعاصير يزيد الطين بلّة. وتكمن المفارقة الأخرى في أنّ الأعاصير تزداد حدّة مع الاحترار العالميّ، بسبب ارتفاع درجة حرارة المحيطات. ومع توجّه إعصار “باري” إلى لويزيانا السبت، أعيد مرّة أخرى فتح ملفّ مصير هذه الجزيرة بعد سنوات من اليوم، وبات من شبه المرجّح أن يكون مصيراً قاتماً.

تضاءل إعصار باري حتى أصبح عاصفة إستوائيّة عندما وصل إلى برّ الولاية، لكنّ ذلك لن يغيّر ما رسمته الصناعات الملوّثة لهذه الجزيرة وآلاف الجزر المأهولة حول العالم. وتكمن المفارقة في أنّ إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب التي انسحبت من اتّفاقيّة باريس للمناخ، لا تزال ترفض الاعتراف بالتغيّر المناخيّ، على الرغم من أنّ آثاره تضرب مواطنيها بشكل مباشر.

ذكريات أليمة إلى الواجهة.. إرث في خطر

حوّلت وزارة الإسكان والتخطيط المدنيّ الأميركيّة 92 مليون دولار إلى لويزيانا من أجل مشاريع مواجهة الكوارث ومنها 48 مليون دولار لإعادة إسكان القبيلة المؤلّفة من حوالي 34 عائلة في مناطق أخرى. وبحسب موقع “ديسموغ” الكنديّ الذي يُعنى بمواجهة حملات التضليل حول التغيّر المناخيّ، غضب ناكوين ومسؤولون آخرون لأنّ مشروع نقل لاجئي المناخ لا يتمّ بالتنسيق معهم، بما فيها عمليّات شراء الأراضي.

السلطات تطلب من سكّان جان شارل مغادرة بيوتهم وأراضيهم – “أ ب”

فالسكان الذين وافقوا على الانتقال إلى أمكنة أخرى باتوا يفعلون ذلك مع خطر خسارة ملكيّتهم لمنازلهم في الجزيرة. وأضاف الموقع أنّ ناكوين وجّه رسالة إلى الوزارة جاء فيها: “إنّ آخر شيء يرغب به أيّ شخص هو التنازل عن إرث أجداده الذين عملوا جاهدين على الاحتفاظ به. تشعر قبيلتنا بأنّ هذا مهين لكلّ ما فعله أجدادنا كي يضمنوا أنّنا نجونا من قانون إزالة الهنود سنة 1830، قانون إعادة توطين الهنود سنة 1956، قوانين جيم كرو، وأفعال تمييزيّة أخرى”.

بموجب قانون 1830، سمح الكونغرس للرئيس الأميركيّ أندرو جاكسون بالتفاوض مع القبائل الهنديّة الأصليّة في جنوب الولايات المتّحدة لنقلهم إلى غرب نهر الميسيسيبي مقابل التخلّي عن أراضيهم الأصليّة. قبائل قليلة قبلت بالعرض سلمياً فيما واجهته القبائل الأخرى بالقوّة. وفي سنة 1956، حاولت الإدارة الأميركيّة تشجيع الهنود على مغادرة أراضيهم الأصليّة والاندماج بمناطق مدينيّة أخرى مقابل إعطائهم بدلاً عن انتقالهم وتدريبات للعيش والعمل في المناطق الجديدة. أمّا قوانين جيم كرو التي برزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقامت على الفصل العنصريّ في كثير من الولايات الجنوبيّة وانتهت أواسط القرن الماضي.

اضطرابات محتملة

بالعودة إلى ما قاله ناكوين إلى موقع “ديسموغ”، يمكن استنتاج أنّ مواجهة أزمة لاجئي المناخ ليست بالبساطة التي يمكن تخيّلها حتى داخل الدولة الواحدة: “على الحكومة استعادة أموالها وترك القبيلة وشأنها”.

إديسون داردار وهو أميركي من أصل هندي يعيش في جان شارل، يلقي شباك الصيد – “أ ب”

كما في جان شارل كذلك في جزر أخرى، لن تكون حملات إعادة الإسكان أو التوطين خالية من المشاكل المادّيّة والإجرائيّة والقانونيّة بين الحكومات والسكّان الذين يطلب منهم الانتقال إلى أماكن أخرى. ومع عدم استبعاد اندلاع اضطرابات داخليّة بسبب مشاريع كهذه، يمكن توقّع حدّة أكبر في الاضطرابات الناشئة عن خلافات بين الحكومة والأقلّيّات الثقافيّة والاجتماعيّة المعرّضة لآثار التغيّر المناخيّ السلبيّة. فتلك الأقلّيات تملك إرثاً خاصّاً بها ومتعلّقاً بوعيها الجماعيّ إزاء الأرض التي تغمرها البحار، لذلك ستكون مغادرتها الأراضي التي دافع عنها أسلافها أكثر صعوبة، هذا إن لم تكن مستحيلة.

خطورة التحجّج

في تقرير “بي بي سي إيرث”، يذكر أحد المواطنين المصابين بالإحباط من تآكل أرضه “غضب الطبيعة الأم” كسبب لما يحدث هناك. لكن إذا كان الإنسان عاجزاً عن التنبّؤ بهذا “الغضب” أو حماية نفسه منه، فعلى الأقلّ يجب ألّا يعمل على تغذية حدّته. كذلك، يجب على عبارة “غضب الطبيعة الأم” ألّا تكون حجّة لتخلّي الإنسان عن مسؤوليّته تجاه ما يجري.

فهذه الخطوة تشبه انتظار أن تحلّ المشكلة نفسها بنفسها وهذا ما لن يحصل. ليس بالإمكان غضّ النظر عن واقع أنّ المتأثّرين بالتغيّر المناخيّ هم ضحيّة مزدوجة لهذه الظاهرة ولبعض الحكومات المتلكّئة عن معالجتها. لكن في نهاية المطاف، تقع مسؤوليّة التحرّك على الجميع. أحداث جزيرة جان شارل قد تصبح نموذجاً معمّماً في المستقبل القريب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*