الرئيسية / home slide / أول قواعد السياسة؟ تجنّب غزو أفغانستان

أول قواعد السياسة؟ تجنّب غزو أفغانستان

 مالك التريكي
القدس العربي
21082021

روى لي ناشط سياسي ليبي كان ينتمي، في الثمانينيات والتسعينيات، لإحدى الجماعات الإسلامية أنه قال لأسامة بن لادن في أحد لقاءاته معه في أفغانستان (قبل مدة من هجمات 11 سبتمبر 2001) إن أي عملية قد تخطط لتنفيذها ضد المصالح الغربية سوف تجر أعظم البلاء على الأبرياء من سكان أفغانستان لأن القوى الغربية تعرف أنك مختبئ هنا منذ أن طردت من السودان. لقد استجرت بالأفغان فأجاروك وقاموا نحوك بما تمليه أخوّة الدين وأعراف البدو من واجب النجدة والشهامة، فلا يعقل أن تكافئهم بتوريطهم في مخططات وعمليات سوف يكونون هم ضحيتها رغم أنه لا دخل لهم فيها، بل ولا علم لهم بها أصلا.
وهذا بالضبط ما حدث. إذ أن أمريكا لم تسع إلى الرد على هجمات 11 سبتمبر ردا محددا متناسبا مع العدوان وموجها إلى من أوعزوا به وخططوا له. وإنما اغتنمت الفرصة لمحاولة تحقيق غايات استراتيجية أبعد في آسيا الوسطى، وقد كانت آنذاك لمّا تستفق بعد من أوهام «البرهة الأحادية» التي خيلت لها، إلى حين، إمكان التفرد بالهيمنة على العالم كله. إذ لو كان الأمر يتعلق بالرد على هجمات 11 سبتمبر حصرا، لاقتصرت أمريكا على النشاط الاستخباري المؤدي إلى تحديد مخبأ بن لادن وأعوانه. وهذه عملية ما كانت تستدعي إلا الأناة، بدليل أن هذا ما تم بعد ذلك بعشرة أعوام، في مايو 2011. ويجدر التذكير أن بن لادن قتل آنذاك في جو من عدم الاكتراث الإسلامي والعالمي، نظرا إلى أن أسطورته قد سقطت قبل بذلك بكثير. أما سنوات الخوف والدمار العشرون، والـ241 ألف قتيل (علما أن فيهم 71 ألفا من المدنيين الأفغان الأبرياء) والـ2261 مليار دولار! (أكثر من ضعف الميزانية الاستثنائية التي أجازها الكونغرس أخيرا لتجديد البنية التحتية في كامل البلاد الأمريكية، والتي هي أضخم ميزانية منذ إصلاحات الرئيس ليندون جونسون الاجتماعية الكبرى في الستينيات) من النفقات التي ضاعت كلها بين سلاح وهدر وفساد، فتلك حرب لم يكن لها من معنى. كانت حربا بلا غاية. «لقد أزهقنا الأرواح من أجل كذبة» كما كتب الضابط الأمريكي السابق تيموثي كودو في نيويورك تايمز غداة دخول طالبان إلى كابول. كما كان كتب، عام 2015، كيف أن تجربة الحرب الغامضة الأهداف، كما عاشها في أفغانستان والعراق، تعلّم الجندي استسهال الضغط على الزناد فيصير القتل لديه عادة تنزع عنه صفة الإنسانية.

إن التضليل الرسمي والهزيمة العسكرية وسوء السياسة والتدبير قد تضافرت لتجلب على الأمة الأمريكية عارا سوف يبقى كصخرة ثقيلة تغلّ أعناق الجميع

أما أهم حقيقة أثبتها الرجل، في رأيي، فليس قوله إن التضليل الرسمي والهزيمة العسكرية وسوء السياسة والتدبير قد تضافرت لتجلب على الأمة الأمريكية عارا سوف يبقى كصخرة ثقيلة تغلّ أعناق الجميع، وإنما اعترافه أنه: لولا كثرة المتطوعين منّا (للجندية) لما كان هنالك أحد لخوض هذه الحروب.
حقيقة بسيطة ينساها كثير من الغربيين ولا أفتأ أذكرها كلما رأيت على التلفزيون عائلة بريطانية أو أمريكية تبكي ابنا قتيلا في الحروب البعيدة. هؤلاء شباب ينعمون بالعيش في أوطان لا يحدق بها خطر خارجي وليست فيها خدمة عسكرية إلزامية؛ ورغم ذلك فإنهم يتركون أبوابا من الرزق لا تحصى ليلزموا أنفسهم بما لا يلزم ويجازفوا بالتطوع للجندية. لكأن الشاب وأهله لم يكونوا على علم بأن هذه «الوظيفة» الاختيارية ستجرّ على صاحبها احتمال القتل في معارك لا علاقة لها البتة بالدفاع عن الوطن.
ينضاف إلى كل هذا أن لقبائل أفغانستان خصوصية تكاد تكون «من المعلوم بالضرورة» لدى الرأي العام العالمي. ومن الأدلة على ذلك أن مجلة «بكين روندشاو» الصينية كتبت في 22 يناير 1980، بعد أقل من شهر من بدء الغزو السوفييتي، أن «إخضاع أفغانستان سهل سهولة استيلاء دب على خلية نحل. هذا ما ظنه الاتحاد السوفييتي (..) ولكنه لن يلبث أن يدرك أنه تعثّر في عش دبابير (..) ذلك أن التاريخ سوف يثبت أن المعتدين السوفييت قد دخلوا أفغانستان ليحفروا فيها قبورهم».
كما أن رسامي الكاريكاتور أبدعوا هذه الأيام في تصوير ما اشتهر به الأفغان من عادة، أو موهبة، دحر الغزاة. فقد هزموا كلتا القوتين العظميين: الاتحاد السوفييتي في القرن الـ20، والولايات المتحدة في القرن الـ21. أما في القرن 19، فكانوا قد هزموا الإمبراطورية البريطانية مرتين! لهذا قال رئيس الحكومة البريطاني الراحل هارولد ماكميلان، الذي كان رفيع الثقافة عارفا بكلاسيكيات الإغريق والرومان، إن للسياسة قواعد وأول قاعدة هي عدم غزو أفغانستان. وفي رواية أخرى أنه، بعد مرضه الذي أقعده، خاطب خلفه آلك دغلس-هوم ناصحا قبل أن يسلّمه الحكم: «يا بنيّ طالما تجنبت غزو أفغانستان، فستسير أمورك على ما يرام». نصيحة ثمينة أصاب من قال يا ليت جون ميجور تذكّر فأسداها لتوني بلير.

كاتب تونسي