الرئيسية / home slide / أول زعيم ماروني يطالب بفصل الدين عن الدولة!

أول زعيم ماروني يطالب بفصل الدين عن الدولة!

22-10-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

سليم نصار

تعبيرية.

على اثر أحداث سنة ١٨٦٠، وفشل صيغة القائمتين المنفصلتين في جبل لبنان، تدخلت فرنسا وأرسلت أسطولها الى #مرفأ بيروت بغرض مساعدة العثمانيين على إعادة السلام والأمن.

#اللجنة الدولية التي ضمت ممثلي الدول الأوروبية الخمس: فرنسا وانكلترا والنمسا وبروسيا وألمانيا، عقدت اجتماعاً برئاسة ممثل السلطان العثماني اقترحت خلاله إحياء نظام المتصرفية. أي نظام أساسي للحكم في لبنان.

ويقول المؤرخون إن هذا النظام أعطى لبنان الصغير استقلالاً إدارياً وقضائياً واقتصادياً برئاسة متصرف مسيحي. وقد اشترطت فرنسا أن يتم اختيار ذلك المتصرف أو “المشير” بمساعدة مجلس إدارة يمثل كافة الطوائف اللبنانية. وبسبب الحاجة الى ضمان الأمن الداخلي، فقد تم إنشاء فيلق من الدرك بغرض المحافظة على القانون.

في ربيع سنة ١٨٦١ عيّن السلطان العثماني داود باشا حاكماً على جبل لبنان لمدة ثلاث سنوات. وكانت تلك المرة الأولى التي يحصل فيها الكاثوليك الأرمن على مثل ذلك المنصب المميز. وبسبب أدائه الوظيفي المُستحب، قام الباب العالي بتمديد فترة حكمه خمس سنوات إضافية.

وكان في طليعة رافضي هذا التكريم يوسف بك كرم الذي أعلن العصيان على داود باشا. وقد ترجم القائد الزغرتاوي خلافه الى ثورة مسلحة، عرفتها بلدات سبعل وإهمج وحدث الجبة.

ولم يجد البطريرك الماروني بداً من التدخل مع القنصل الفرنسي، الأمر الذي انتهى بإعادة نفي يوسف بك كرم من الاستانة الى الجزائر.

أمضى كرم سنة في الجزائر قبل أن ينتقل الى فرنسا لإجراء محادثات عن مستقبل لبنان مع الامبراطور نابليون الثالث. ولما وصل الى روما سمع بوفاة داود باشا، الأمر الذي شجعه على العودة الى لبنان. ولكن البطريرك الماروني بولس مسعد منعه من تحقيق أحلامه العسكرية، وهدده بالحرم الكنسي. لذلك قرر طلاق السياسة بطريقة عملية وظل معتكفاً في نابولي الى أن أدركته المنية في السابع من نيسان (أبريل) سنة ١٨٨٩.

ومع أن تمثاله في إهدن يظهره ممتطياً جواده، والسيف في يده، إلا أن الكلمات التي كتبها كانت أقوى من الصدامات المسلحة التي خاضها. وكان ذلك يوم عيّنه وزير خارجية تركيا قائم مقاماً على النصارى، بغرض إرضاء ضباط الحملة الفرنسية التي كلفتها باريس بالعمل على تهدئة الأوضاع الأمنية داخل لبنان.

وتشير المراجع التي جمعها المؤرخون والكتّاب مثل الخوري اسطفان البشعلاني وسمعان خازن واميل خوري وعادل اسماعيل… الى أن كتابات يوسف بك كرم كانت أهم من معاركه الحربية…

عندما تأكد يوسف بك كرم أن استخدام السيف لم يعد مجدياً في المرحلة الراهنة، استعان بالكلمة الرصينة في سبيل تحقيق مشاريعه السياسية.

وقد إستسهل إثبات الذات بعدما استنار بتصرفات الأمير عبد القادر الجزائري الذي أعلن العصيان على فرنسا، الأمر الذي انتهى بهزيمته ونفيه الى دمشق.

ومن مآثره التي اشتهر بها خلال تلك الحقبة، هرب آلاف الرعايا المسيحيين من دير القمر ومنطقة الشوف الى دمشق. وقد عُرِفت الهجمات التي تعرضوا لها باضطرابات عام ١٨٦٠. ويقول شهود تلك الأحداث إن الأمير عبد القادر أنقذ الكثير من أرواح مسيحيي لبنان الذين جمعهم في قلعة حصينة ووضعهم تحت حمايته.

ويذكر أحد الشهود الذي سجل وقائع تلك الاضطرابات، ويدعى ميخائيل مشاقة، أن الأمير أسرج جواده، وارتدى درعه وخوذته ثم انقضّ على المتمردين شاهراً سيفه، وهو يصرخ فيهم: “أيها الأشقياء… العار لكم. لن أسلمكم مسيحياً واحداً. إنهم أخوتي!”

وتحاشياً للسقوط في لجّة استفراد الجالية المسيحية اللبنانية، عرض يوسف بك كرم إنشاء حلف عربي-عربي أطلق عليه إسماً أجنبياً هو ” كونفيديراسيون”. واعترف أنه استعار تكوينه من الحلف البروسي الذي يضم الأقاليم الجرمانية.

وقد تجسدت هذه الفكرة بعد الحرب العالمية الثانية في تشكيل “الجامعة العربية ” التي تضمنت استقلال كل دولة من دول الأعضاء.

والملفت في هذا السياق أن الزعيم الماروني يوسف بك كرم كان أول من تجرأ على المطالبة ب#فصل الدين عن الدولة. علماً أنه كان يفاخر بعمق إيمانه، وبأهمية تأليف “مشروع الحلف العربي”.

وبسبب الدور الإيجابي الذي لعبه الأمير عبد القادر الجزائري، فقد اختاره كرم وصياً مؤهلاً لإنجاح مشروع الحلف العربي.

وفي رسالة موجهة الى أبناء اللغة العربية، طلب يوسف بك كرم من الأمير عبد القادر الجزائري قبول مبدأ العناية والوصاية لمشروع الحلف العربي. وقد كتب الأستاذ والسفير اللبناني السابق عادل الصلح تفاصيل هذه الحقبة، ليؤكد أن الأمير الجزائري كان حاجة عربية بسبب الإجماع على قيادته وحكمته وتجرده.