الرئيسية / home slide / أولبرايت: اقرأ سياستي من… دبابيس صدري

أولبرايت: اقرأ سياستي من… دبابيس صدري

ارتدت لعرفات «نحلة» ولحافظ الأسد «أسداً» ولسعود الفيصل «حصاناً» ولصدام حسين «ثعباناً»

أولبرايت مع عرفات بدبوس النحلة في غزة عام 1999 (أ.ب)

لندن: منال لطفي
الأربعاء – 20 شعبان 1443 هـ – 23 مارس 2022 مـ رقم العدد [ 15821]
https://aawsat.com/home/article/3549556

«حتى قبل أن تتكلم… يمكنك أن تعرف مزاجها وأجندة عملها عندما تنظر إلى دبوس الصدر الذي تضعه على الجاكيت الذي ترتديه»، هكذا يقول من عملوا مع أول وزيرة للخارجية الأميركية مادلين أولبرايت التي رحلت اليوم (الأربعاء) عن 84 عاماً.

فأولبرايت التي تولت خلال سنوات عملها، سواء سفيرةً لأميركا في الأمم المتحدة (من 1993 حتى 1997) أو وزيرةً للخارجية الأميركية (من 1997 حتى 2001) ملفات شديدة الصعوبة من العراق إلى ملف السلام إلى العلاقات مع روسيا وأيرلندا الشمالية وكوريا الشمالية، هي أكثر وزيرة خارجية استخدمت «صندوق جواهرها» لإرسال رسائل سياسية وتدشين نهج جديدة في الدبلوماسية وهو: «اقرأ دبابيس الصدر الخاصة بي.. لتعرف فيمَ أفكر».

غلاف كتاب أولبرايت «اقرأ دبابيسي»

فطوال سنوات عملها الدبلوماسي، استخدمت أولبرايت دبابيس صدرها لتكشف خطوتها المقبلة وأفكارها ومزاجها عن عمد. حتى إن نظراءها من وزراء الخارجية حول العالم والعاملين معها كانوا ينتظرون بترقب ما ستلبسه كل صباح، وليس هناك إطراء أفضل لأي امرأة من هذا الإطراء. وفي كتاب صدر لها في 2009 تحت عنوان «اقرأ دبابيس الزينة الخاصة بي: قصص من صندوق حلي دبلوماسية»، والذي ترافق معه معرض لأهم دبابيس الصدر التي ارتدتها منذ عينت وزيرة خارجية في إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، واستضافه «متحف الفن والتصميم» في نيويورك، تقول أولبرايت إن الأمر كله حدث مصادفة وعلى يد الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

وتوضح أولبرايت في كتابها: «بطبيعة الحال أعشق الحلي وأحرص على ارتدائها دوما، لكن لم يدر بخلدي قط أنني سأستغلها كأداة لنقل رسائل ضمنية حتى عُينت سفيرة لدى الأمم المتحدة وكنت السيدة الوحيدة داخل مجلس الأمن. بعد حرب الخليج الأولى، عندما عكفت الأمم المتحدة على دراسة عدد من القرارات المتعلقة بالعراق، كانت مهمتي التعقيب على سياسات صدام حسين، وكانت تعقيبات شديدة لكنه كان يستحقها. رداً على ذلك، نشرت إحدى الصحف العراقية قصيدة نعتتني بـأفعى لا نظير لها. وبالفعل، كان لدي دبوس زينة على شكل ثعبان في صندوق الحلي. وعليه، قررت ارتداء هذا الدبوس في أي جلسة للأمم المتحدة تتناول العراق. ولاحظت الصحف الأمر. وجدت الأمر مسلياً، وقررت اتباع هذا النهج في باقي عناصر أجندتي الدبلوماسية. قال الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب: اقرأ شفتَيّ. أما أنا فشعاري: اقرأ دبابيس الزينة الخاصة بي».

«ثعبان» أولبرايت الذي رد على القصيدة العراقية 

وفي متحف الفن في نيويورك وُضعت دبابيس أولبرايت ـ وهى بالمئات ـ بترتيب دقيق، متعددة الأشكال والأحجام ومتنوعة الأثمان، فمن دبوس بمئات الآلاف من الدولارات إلى دبوس صدر ببضع عشرات من الدولارات فقط، لا يجمعها شيء إلا أن كل دبوس له قصة وحكاية وبعضها يمثل جزءاً من تاريخ لحظات هامة مثل دبابيس الصدر التي ارتدتها خصوصاً خلال مباحثات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ومن ضمن دبابيس الصدر اللافتة في متحف نيويورك دبوس صدر كبير على شكل العلم الأميركي مرصع بالألماس باللونين الأحمر والأبيض. وتقول أولبرايت عن هذا الدبوس: «بعدما أصبحت وزيرة خارجية، زرت الزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ إيل وارتديت دبوس زينة يحمل العلم الأميركي لأوضح بما لا يدع مجالا للشك مَن أمثل. فأنا أمثل أميركا. ورغم قناعتي بسخف الانتقادات الموجهة إلى السياسيين الأميركيين لعدم ارتدائهم دبوس زينة يحمل علم الولايات المتحدة ـ لأننا، قبل كل شيء، دولة قوية واثقة من نفسها ـ وجدت في هذه الحالة من المناسب ارتداء هذا الدبوس».

أما أكثر جوانب المعرض جاذبية فهو الجانب المتعلقة بدبابيس الصدر التي ارتدتها أولبرايت عند لقائها مع الدبلوماسيين الروس، والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك خلال مباحثات السلام نهاية عهد كلينتون. وتوضح أولبرايت في كتابها: «في وقت من الأوقات اكتشفنا أن الروس عمدوا إلى التنصت على السفارة الأميركية، فارتديت دبوس صدر على شكل بقّة في لقائي التالي بمسؤولين روس في إشارة ضمنية إلى أننا نعرف أنهم يتجسسون علينا. وعندما كنت أتفاوض بشأن معاهدة حظر الصواريخ الباليستية مع وزير الخارجية الروسي آنذاك إيغور إيفانوف، ارتديت دبوس صدر على شكل رأس صاروخي صممته زوجة سفير أميركا لدى حلف شمال الأطلنطي ليزا فيرشبال. وقد سألني إيفانوف عندما رآني: هل هذا أحد صواريخكم الاعتراضية؟ أجبت: نعم، إنها صغيرة للغاية. حان وقت الشروع في المفاوضات».

أولبرايت مع بوتين بدبوس «القردة الثلاثة» (أ.ب)

كما لم تتردد أولبرايت في استخدام «سلاح دبابيس الصدر» في أكثر القضايا حساسية لدى الروس وهي قضية الشيشان. فعندما رافقت بيل كلينتون إلى القمة الأميركية ـ الروسية التي انعقدت في يونيو (حزيران) 2000، قال لها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: «إننا نلحظ ما ترتديه الوزيرة أولبرايت». وتوضح أولبرايت في كتابها: «كنت أرتدي حينها دبوس زينة يحمل أشكال ثلاثة قرود تشير إلى عبارات: لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم. وسألني بوتين عما يعنيه ذلك، وأجبته: إنها تصف سياستكم حيال الشيشان. وقد أسعده هذا الأمر كثيراً».

أما عندما قابلت ياسر عرفات فقد ارتدت «نحلة»، وتوضح: «خلال عملية سلام الشرق الأوسط ارتديت الكثير من دبابيس الصدر لإرسال رسائل مختلفة. ارتديت الحمامة التي أهدتني إياها ليا رابين زوجة رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين عندما التقيت باراك وعرفات لأقول لهما إن أميركا متمسكة بالسلام وتريد تحقيقه وإن هذه هي الفرصة. كما ارتديت النحلة كثيراً عندما كنت أريد أن أقول إن أمامنا مباحثات صعبة وشاقة. وكان عرفات وباراك يقرآن دبابيس الصدر التي أرتديها قبل أي محادثات. ياسر عرفات رد على رسالتي حول النحلة وأعطاني دبوساً على شكل فراشة».

وتقول أولبرايت إن ولعها باستخدام صندوق جواهرها كأداة سياسية ساعدها كثيراً في أداء عملها، بل ودعم معرفتها بدول وثقافات. فعندما التقت مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد ارتدت دبوس صدر على شكل «أسد». وتقول أولبرايت: «اسمه الأسد. لذلك ارتديت دبوس صدر على هيئة أسد. نظر إليّ كأنه يدرك ما أردت قوله». وعندما قابلت وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل ارتدت دبوساً على شكل «حصان» في دلالة على حب العرب للخيول والفروسية.

أولبرايت مع سعود الفيصل بدبوس «الحصان» (أ.ب)

وفي مقابلة مع موقع «غلوبال فيو بويت» الأميركي، سُئلت أولبرايت ماذا سترتدي لو قابلت الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، فردت قائلة: «كنت سأرتدي دبوس زينة من تصميم زوجة وزير الدفاع ويليام كوهين على صورة حمامة ونسر معاً، ذلك أن ما يدور بين الولايات المتحدة وإيران يتضمن بعض العصا والجزرة، أو بعض الفرص إذا ما تعامل الإيرانيون بشفافية مع المفتشين الدوليين، وبعض التحديات إذا ما استمروا في المرواغة. أيضاً، كنت سأرتدي حلة خضراء اللون تكريماً لمن يناضلون من أجل الديمقراطية في إيران».

لكن رسائل أولبرايت السياسية لم تكن تصل إلى جميع المسؤولين، كما أن نظراءها لم يكونوا بالضرورة على دراية بالاستخدام السياسي لدبابيس الصدر الخاصة بها. ففي إحدى المرات سأل أحد الصحافيين وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر عن رأيه في «الرسائل السياسية» التي ترسلها أولبرايت بدبابيس صدرها. فرد مستغرباً: ماذا؟ فرد عليه الصحافي: دبابيس الصدر التي تضعها؟ فقال فيشر: لا فكرة لدى عما تتحدث عنه. أما رد أولبرايت على جهل فيشر فهو: «سأهديه كتابي الجديد في الكريسماس».

وإذا كانت حقيبة جواهر أولبرايت حقيبة مسيسة، فالكثير من قطع الجواهر لديها هدف سياسي حتى أقراط الأذن (الكثير منها أيضا على شكل حمامة أو رأس تمثال الحرية) إلا أن جواهرها ليست كلها من أحجار ثمينة أو من الألماس مثلاً، فهي لديها تشكيلة من دبابيس الصدر على هيئة أنواع خضار، وهي غير مكلفة ومن معادن وأحجار غير ثمينة، إلا أنها تقول إنها بحكم حبها للزراعة، رأت أن هذه الدبابيس «يمكن أن تعطيها أنواع الخضار التي تحبها والتي لا تستطيع أن تزرعها كلها في وقت واحد، في عروة الجاكيت الذي ترتديه».


أما أحب دبوس صدر على قلبها فهو دبوس على شكل «قلب» وقد صممته ابنتها لها وكانت ترتديه دائماً في يوم «عيد الحب». أما الدبوس الآخر الذي تحبه فهو دبوس صدر على شكل «رأس تمثال الحرية» وقد صمم خصيصاً لها، وتقول أولبرايت عنه: «أحبه لأنه رمز لأميركا. تمثال الحرية. كما أحبه لأن داخل رأس التمثال ساعتين، واحدة على اليمين والأخرى على اليسار، بحيث أستطيع أنا ومن معي في اللقاء أن ننظر إلى الساعة. وفي هذه الحالة لا ينبغي على أن أقول له: الوقت انتهى».

كما تحب دبوساً آخر أهداه إليها شاب أميركي، وكان الدبوس ملك والدته التي توفيت في «إعصار كاترينا». وتقول أولبرايت عن القصة: «تقدم لي وقال أرجوكِ اقبليه. فنظرت إلى الدبوس ووجدته رائعاً، إلا أنه كان غالي الثمن، من الألماس الأبيض والأزرق. فقلت له: لا أستطيع أن أقبله. فرد قائلاً: والدتي كانت ستحب أن ترتديه. فقبلته. وهو من أحب الدبابيس إلى قلبي».

وكما طورت أولبرايت دبلوماسية «دبابيس الصدر» طورت أيضا دبلوماسية التقبيل. وتوضح: «دبلوماسية القبل والعناق لم تكن متداولة في العلاقات الدولية قبلي، عندما كنت ألتقي نظرائي كانت أقبلهم على وجوههم وأعانقهم. في مرة التقيت نظيري الكوري الجنوبي وعانقته، ثم بعد ذلك في لقاء مع الصحافيين قال وزير الخارجية الكوري لمجموعة قليلة من الصحافيين على العشاء: عندما ألتقي وزيرة الخارجية أولبرايت، وهى في سني، تُشعِرني أنني صغير السن. فعندما عانقتني شعرت أن صدرها مشدود! خرج التعليق للصحافة وبدأ الجميع في أميركا يقولون: كيف يقول شيئاً مثل هذا؟ هذا غير مقبول! أما من ناحيتي فقلت: هذا شيء عادي، فكيف تريدون مني أن أرتدي دبابيس الصدر هذه، إذا لم يكن هناك شيء أحملها عليه؟ وفي المرة التالية عندما التقينا تصافحنا فقط باليد». كانت أولبرايت تروي القصة لصحافي «سى إن إن»، فرد عليها: «كيف كانت معانقتك للوزير الكوري؟». فردت أولبرايت: «هل تريد أن تجرب؟» فأجاب: «نعم»، فعانقته أولبرايت، فرد صحافي «سي إن إن»: «هذه أول مرة ألتقي فيها وزيرة خارجية فتجعل وجهي يحمرّ».

– هذه المادة من أرشيف «الشرق الأوسط» ونشرت للمرة الأولى في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2009