الرئيسية / مقالات / أوروبا طلبت “أسماء” وأميركا غاضبة ولا اهتمام سعوديّ

أوروبا طلبت “أسماء” وأميركا غاضبة ولا اهتمام سعوديّ

مشاعر اللبنانيّين تجاه رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري مُتناقضة ربّما بسبب تناقض المواقف منه التي ينشرها الإعلام على تنوّعه للجهات المحليّة والعربيّة والدوليّة التي كانت دائماً إلى جانبه أو بالأحرى التي ورث وقوفها إلى جانبه من والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري. فبعضها يرى أن ما يدفع سُنّة لبنان إلى التمسّك به ذكرى والده واعتقادهم أنّه لا يزال يحظى بعطف عربيّ وتحديداً سعوديّ يمكن ترجمته ماليّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً. وبعضها الآخر يرى أن ما يدفع معارضي “حزب الله” في لبنان من سُنّة ومسيحيّين ودروز وحتّى من شيعة إلى الرهان على الحريري، رغم أنّ شعار الاحتجاج الوطني الأكبر في تاريخ لبنان الحديث “كلّن يعني كلّن” يشمله أيضاً، هو اعتقاد الغربَيْن الأوروبي والأميركي أنّه رجل تسويات ومواقف مُعتدلة وقدرة بمساعدة منهما على إنقاذ لبنان من الهوّة العميقة التي ينزل فيها حاليّاً. أمّا بعضها الأخير وهو للمناسبة مؤلّف من شعوب لبنان كُلِّها فيرى أن الأمل فيه ضعيف لأنّ الجهات المُشار إليه أعلاه كلّها يَئِسَتْ منه في العام والخاص، ولم تعد ترى فيه ما يُنقذ البلاد المشلَّعة ودولتها المُفلسة وشعوبها الواقعة على ضفاف الجوع والخراب والقهر.

هل توجد مُعطيات ومعلومات قادرة على جلاء التناقض المُشار إليه وتالياً إزالته؟

المتوافرة منها عند جهات محليّة وأجنبيّة وعربيّة في هذا الموضوع كثيرة. بعضها الأوّل يتناول موقف فرنسا الداعمة للحريريّة السياسيّة منذ عقود ولوارثها سعد. وفيه أن برنار إيمييه رئيس أحد أهمّ أجهزة الاستخبارات في فرنسا حاليّاً، وسفيرها في لبنان في أصعب مراحله قبل اغتيال الحريري الأب وبعده ولاحقاً في تركيا، طلب من أصدقاء له لبنانيّين لائحة بأسماء لبنانيّين مؤهَّلين لتأليف حكومة جديدة وترؤّسها طبعاً. وعدم ذكر الحريري في هذا المجال يعني أنّ باريس تُفكِّر في غيره ليس لأن موقف رئيسها ماكرون منه الذي يكنّ له مودّة صادقة قد تغيَّر. بل لأنّ الظروف الراهنة في بلاده والتطوّرات المُرتقبة أو المُحتملة ومعظمها سلبيّ جدّاً وربّما كارثيّ قد لا تسمح له بالعودة إلى موقعه الحكومي بعد استقالته المفاجئة منه. وفيه أيضاً أن إيمييه نفسه ترك طاولته وقتاً قصيراً في حفل عشاء واسع إلى حدٍّ ما في باريس وتوجّه إلى طاولة أخرى ثمّ صافح لبنانيّاً كان إليها عرفه في بيروت لدى خدمته بلاده فيها، وقال له: “أعتذر عمّا قلته لك عام 2005”. وفيه ثالثاً أنّ فرنسا ماكرون لا تزال مُتمسّكة ببرنامج “سيدر” الذي وضعته لمساعدة لبنان قبل نحو سنة والذي عجزت مؤسّساته الدستوريّة وهيئاته الاقتصاديّة وأحزابه السياسيّة الطائفيّة والمذهبيّة عن الإفادة منه. وأنّه سيُنفّذ سواء كان رئيس حكومة لبنان بعد حلّ الأزمة المُتشعّبة الراهنة سعد الحريري أو غيره. فذلك لن يكون مشكلة في فرنسا وسبباً لتراجعها. وقد ترك فارنور أحد كبار موظّفي الخارجيّة الفرنسيّة لدى زيارته بيروت قبل نحو أسبوعين موفداً من وزيره ورئيس بلاده في مهمّة استطلاعيّة هذا الانطباع عند الذين التقاهم من اللبنانيّين.

والبعض الثاني من المعلومات والمُعطيات يتناول بريطانيا المعنيّة أيضاً بلبنان والساعية إلى مساعدته كي يقوم من الكارثة التي أوقعها فيها قادة “شعوبه” كلّهم. وفيه أن مسؤولاً في الخارجيّة على الأرجح قام بزيارة قصيرة لبيروت استمرّت ساعات وبعدها زار مور الموظّف الكبير فيها لبنان وأجرى جولة استطلاعيّة مع مسؤولين وشخصيّات. وطلب مثل الفرنسيّين من بعضهم لائحة بأسماء شخصيّات لبنانيّة سُنّية طبعاً مؤهّلة لترؤّس الحكومة في هذه المرحلة الصعبة، وتالياً لقيادة لبنان نحو شيء من الأمان الاقتصادي – النقدي – الاجتماعي وربّما الأمني.

والبعض الثالث من المعلومات والمُعطيات يتناول أميركا التي يُراهِن على دور إيجابي لها لبنانيّون، والتي يعمل لبنانيّون آخرون على تقويض دورها وإنهاء نفوذها في لبنان. وفيه أن جاريد كوشنِر مستشار رئيس أميركا ترامب وصهره يشعر بالغضب أو الاستياء من سعد الحريري لكنّه لا يزال يشعر تجاهه بالودّ والمحبّة. أما مايك بومبيو وزير الخارجيّة الذي زار الأخير في مزرعته الأميركيّة وتناول الغداء أو ربّما العشاء معه فيها فإنّ شعوره نحوه بدأ يميل إلى عدم الثقة والبعض يقول إلى الازدراء. ذلك أنّه سمع منه في المناسبة المذكورة مواقفاً ووعوداً لم يترجمها إمّا لعجز عن ذلك وإمّا لأسباب أخرى. لكنّه بعد استقالته من رئاسة الحكومة وتحويلها إلى تصريف الأعمال الذي لم تُمارسه بعد، وبعد المواقف التي اتّخذها منذ الاستقالة صار يقول عندما يُسأل عنه وعن لبنان: “نحن ننتظر لنرى”. 

أمّا البعض الرابع والأخير من المُعطيات والمعلومات نفسها فتناول الجهات العربيّة. وفيه أنّ الحريري بدأ يستذكر عروبته ويستعيدها. لكن فيه أيضاً أنّ السعوديّة غير سائلة عنه وغير مهتمّة به. فسفيرها في لبنان وليد البخاري صار نادر التحرّك والحركة خلافاً للسابق. وفيه ثالثاً أنّ الرئيس المستقيل اتّصل بصديقه منذ أيّام الدراسة الجامعيّة في جورجتاون وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجيّة عادل الجبير، وطلب منه إيصال تحيّته وسلامه إلى طويل العمر وليّ عهدها الأمير محمد بن سلمان والاستفسار عن إرشاداته ومواقفه. وكان جواب الأمير عبر الجبير: “سموّ وليّ العهد مليح ويُسلِّم عليك ويقول لك عندما كنت عنده وأبلغته ترشّحك أو اعتزامك ترشيح ميشال عون للرئاسة اعترض على ذلك. فأجبته أنّك ستنتخبه وأنّك ستكون مسؤولاً عن نتائج ذلك. وعليك الآن أن تتحمّل نتائج هذا الموقف”. وفيه رابعاً أنّ السعوديّة لن تُقدم أو تفعل شيئاً للبنان الذي ستحصل فيه أمور كثيرة ولا سيّما في شباط أو آذار. فهل يتفجّر الوضع اللبناني في شكل أو في آخر؟

ما هو الموقف الفعلي لـ”حزب الله” من الحريري؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

ملاحظة: ربّما كان يجب أن أذكر اسم صاحب التقويم الغربي الأميركي في “الموقف هذا النهار” يوم أمس (مايكل يونغ). لكن الإحجام عن ذلك لا يُلغي حقيقة مضمونه في رأي الغرب. ليونغ اعتذاري.

اضف رد