أوروبا تبكي القذافي؟!


الى هذه الدرجة يمكن ان يصل الرياء كي لا أقول الغباوة المطلقة، ليصدر ليس عن أحد رموز الديكتاتوريات البغيضة، ولكن عن رئيس البرلمان الأوروبي المتنوّر أنطونيو تاغاني، الذي لم يتردد في القول يوم الإربعاء من الاسبوع الماضي وبالحرف، إن إسقاط معمر القذافي كان خطأ إرتكبته فرنسا وإيطاليا اللتان ساهمتا في إطاحته!

إذاً لا ينقص الأوروبيين مسيو تاغاني الآن، سوى ذرف الدموع على القذافي، لأنكم لا تعرفون عملياً، كيف تعالجون الآن في هذا العالم الذي يحدثنا عن الديموقراطية المشكلة الليبية الناجمة أصلاً ليس عن سقوط طاغية ومهرّج إسمه القذافي، بل عن التدخلات الإقليمية والدولية التي تقاطعت وتتقاطع الآن فوق الوضع الليبي، لتزيد عوامل التعقيد وصعوبات الحلول، لإن ما يجري في كواليس الحسابات السياسية حيال الوضع الراهن في ليبيا، لا علاقة له بالسياسة والإستقرار وإنما بتوزيع مغانم النفط والنفوذ في ليبيا الجديدة.

ربما كان من المعيب فعلاً ان نقرأ كلاماً من هذا النوع يصدر عن مرجع سياسي أوروبي، لكن ما يزيد الطين بلّة كما يقال، كان كلام الممثلة العليا للإتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية فيديريكا موغيريني يوم الاثنين من الاسبوع الماضي في أنقرة، من ان الدول الأوروبية تتشارك موقفاً موحداً من الأحداث الليبية، مع علمها الأكيد وعِلم كل متابع ان الصراع بين الفرنسيين من جهة والإيطاليين من جهة أخرى، لا يقل حدّة عن القتال الدائر لإستعادة العاصمة طرابلس، بين المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الذي يتقدم من ليبيا الشرقية ورئيس المجلس الرئاسي فايز السراج في ليبيا الغربية [دائماً هناك شرقية وغربية؟].

قبل الحديث عن التطورات وإحتمالاتها، من المناسب ان نعرف ان الخلاف بين باريس وروما على ليبيا، سببه ان الفرنسيين يملكون أسطولاً من الناقلات ويريدون الوصول الى الهلال الليبي النفطي بعد إنتهاء سيطرة مجموعات من المنظمات المتطرفة عليه، بينما يريد الإيطاليون ان يحتفظوا بنفوذهم القديم على الساحل الليبي جنوباً المحاذي لشواطئهم الجنوبية، ويخافون أن يدفع الصراع موجات جديدة من اللاجئين الذين ضاقت بهم جزيرة لامبيدوزا وغيرها في السنوات الأخيرة!

في أي حال لم يكن المشير حفتر ليندفع غرباً للسيطرة على طرابلس، لو لم يجد تشجيعاً نسبياً من موسكو التي زارها نهاية العام الماضي وإلتقى سيرغي لافروف ووزير الدفاع سيرغي شويغو، فمن المفيد جداً ان تحاول موسكو إمتلاك موطئ قدم على الساحل المقابل للشواطئ الأوروبية. أما واشنطن فقد دعت حفتر الى وقف هجومه على طرابلس، على رغم رغبتها في القضاء على التنظيمات الإرهابية في شرق ليبيا، خوفاً من تقدّم الروس الذين عطّلوا في مجلس الأمن بياناً أميركياً ضد حفتر.

حفتر الذي زار مصر، يحظى طبعاً بدعم الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبتأييد من دولة الإمارات والسعودية، في مواجهة دعم تركيا وقطر للقوى التي تسيطر في غرب ليبيا. ومع إنشغال الجيش الجزائري، الذي عارض إندفاع حفتر الى الغرب، بالتطورات الداخلية، تبدو الطريق الآن ممهدة لإنخراط أعنف في قتال، دفع موغيريني الى القول الإثنين الماضي، إن الوضع الليبي مخيف جداً!

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*