الرئيسية / home slide / أوراق ابن حي الشعلان: عفيف البهنسي وفصول من ذاكرة سوريا المعاصرة

أوراق ابن حي الشعلان: عفيف البهنسي وفصول من ذاكرة سوريا المعاصرة

منذ ساعتين

 محمد تركي الربيعو
القدس العربي
23102021

في فترة الأربعينيات والخمسينيات، كانت سوريا تعيش فترة جديدة على صعيد الفضاء العام، والمؤسسات السياسية والتعليمية، وهي فترة ترافقت أيضا مع قدوم أفكار عالمية جديدة، وفي ظل هذا التحول، عرفت البلاد ظهور عدد من الشخصيات الفكرية، التي كانت لها إسهامات غنية ومهمة في تاريخ مدنها، خاصة مدنا مثل دمشق وحلب، على صعيد بناء مؤسسات الدولة وأنظمتها التعليمية والثقافية، ونذكر من بين هذه الأسماء، على سبيل المثال لا الحصر، أشخاصا مثل أنطوان مقدسي وعلي الطنطاوي وبديع الكسم وعشرات الأسماء الأخرى التي لعبت دوراً على صعيد تشكل سوريا الجديدة بعيد استقلالها في عام 1946، ومن بين شخصيات هذا الجيل أيضاً الراحل عفيف البهنسي، الذي لعب دورا مهما على صعيد التعريف بتاريخ الفن والعمارة، وساهم في تأسيس كلية الفنون الجميلة، قبل أن يدير مؤسسات المتاحف السورية، التي عرفت في زمنه اكتشافات أثرية مهمة. وما يميز البهنسي وبعض أصدقائه، مثل الباحث الموسيقي صميم الشريف أو صديقه الآخر الفيلسوف مطاع صفدي، أن هذا الجيل عاش لفترة طويلة من الزمن (غالبيتهم توفوا بعد تجاوز التسعينيات تقريبا) ما أتاح لهم العمل في مؤسسات عديدة، ليتحولوا مع مرور الزمن إلى شهود على تقلبات 5 عقود وأكثر من تواريخنا المعاصرة، إلا أن قسما كبيرا من هذه الشخصيات لم يُعثر على أوراق لها حول سيرتها الذاتية، كما طوى النسيان قسماً كبيراً منها. وربما يعود ذلك إلى عدم اهتمامهم مثلا بكتابة سيرهم الذاتية أو يومياتهم، مقارنة بالجيل الذي ولد في سوريا في بدايات القرن العشرين مثل، رستم حيدر، الذين اهتموا بتدوين يومياتهم، ما أتاح لنا معرفة أدق بدورهم وتواريخ تلك الفترة.
في المقابل يبدو أن الجيل اللاحق، كان يعيش في زمن كتابي آخر (ظهور المعطيات الاقتصادية والاجتماعية كبديل عن الموروثات التذكارية) ولعل ذلك ما جعل هذا الجيل أحياناً غير مهتم أو مشغول بترك أوراق حول دوره في بناء بعض مؤسسات البلاد، ما أفقدنا، رغم الملاحظات العديدة التي يسجلها البعض على خطاب الذاكرة، تفاصيل عديدة عن تطور المدينة السورية بعيد الخمسينيات. ولعل هذا الواقع هو ما دفع بالكاتب السوري سعد القاسم إلى محاولة سد النقص في هذا الجزء، من خلال إجراء مقابلات مطولة مع عفيف البهنسي في عام 2017 قبل أشهر قليلة من رحيله عن دنيانا، ما وفر لنا معرفة أدق بدور هذا الرجل وبدايات بعض المؤسسات السورية الثقافية، وأتاح لنا التعرف على رؤية البهنسي الذي انشغل بتاريخ العمارة والمدن، وبتاريخ سوريا القديمة، وكيف كتب هذا التاريخ في الخمسين سنة الماضية. المهم في هذه المقابلات أيضا، التي اختار لها معدها عنوان «مذكرات عفيف البهنسي» أن الأخير يكشف لنا في أكثر من موضع عن وجود سيرة ذاتية له، ما يعني ضرورة نشرها وإتاحة الفرصة للباحثين والقراء للاطلاع عليها، للتعرف أكثر على ذاكرة سوريا في الخمسين سنة الماضية.

حي الشعلان.. مكان الطفولة

ومن النقاط الجديرة بالاهتمام في هذه السيرة، أن البهنسي يكشف لنا في فصولها الاولى عن تاريخ وذاكرة حي الشعلان الدمشقي في الأربعينيات، وقد سمي بذلك نسبة لمنزل الأمير نوري الشعلان أمير عشائر الرولة، قبل أن يتحول مع بدايات القرن العشرين إلى واحد من أهم الاحياء في المدينة، وغدا بمثابة الحي الذي يكشف أفكارا وثقافة شبابية أخرى، حول اللباس والحجاب في دمشق.
ولد البهنسي في عام 1928، ومما يذكره عن الحي أنه في عام 1949 افتتح شارع الجلاء الذي التهم جميع البساتين التي كانت تحد امتداد هذا الحي غربا، مثل بستان الملا والعلامة والسبكي، وقد عرف هذا الشارع لاحقا باسم شارع أبو رمانة، نسبة كما يقول لشيخ كتاب كان يقوم بتدريس التلاميذ تحت قبة تظللها شجرة رمان كبيرة في أعلى الشارع، كما أنه يذكر في هذه الفترة أسماء سكان هذا الحي، الذي يبدو أنه كان مكانا جديدا للنخب، إذ يذكر مثلا أنه خلف منزلهم عاش صلاح الدين البيطار، وقد أزيل منزله لاحقا بعد أحداث شارع الحمراء أواخر سبعينيات القرن الماضي، كما كان ثمة فندق (بانسيون) في الحي تديره ليا من بلودان، وأقام فيه على التعاقب المفكر زكي الأرسوزي والأديب عبد السلام العجيلي، كما عاشت في هذا الحي أسرة حقي الشريف وأولاده، مثل الموسيقي السوري صميم الشريف الصديق الأقرب للبهنسي وأيضا صديقهم الآخر مطاع صفدي، وتوزعت في الحي بيوت عائلات لبنانية عريقة من أسرة النعماني وشاتيلا ودمشقية ومشنوق، ومما يذكره في هذا السياق بستان السبكي، وأصحابه أبو حمدي وأبو صبحي، الذي كان مرتع الطفولة مع أسرة الطباع قبل أن يزول ويصبح حديقة عامة إلى يومنا هذا باسم السبكي، كما عاش في هذا الحي كما يذكر، كلا من وهيب الغانم والكاتب صدقي إسماعيل (الذي غدا لاحقا نسيبه) وشاكر مصطفى وبديع الكسم ونازك الحريري (زوجة رفيق الحريري) وأكرم العجة الملياردير السوري في فرنسا.

عفيف البهنسي

ومما يذكره عن دمشق آنذاك، أن الزواج المتكرر، غدا شائعا في المدينة، وهنا لا نعرف حقيقة إن كانت هذه الظاهرة قديمة في المدينة، كما تصوره بعض المسلسلات الدرامية، أم أن دمشق كانت كباقي الحواضر العربية مثل، حلب أو بيروت، التي لم تعرف تعددا للزوجات في القرن التاسع عشر إلا ما ندر، وأنّ التطور الذي جرى على مستوى نظام الزواج هو تطور لاحق تولد ربما من ظروف عدم الاستقرار الحضري، الذي عرفته دمشق في النصف الأول من القرن العشرين، كما يذكر البهنسي أن دمشق بدت منقسمة آنذاك بين قسمين وطريقتين، وكل له طريقة في الحياة: فالمدينة القديمة يعيش فيها غالبا التجار وأصحاب المهن ولهم تقاليديهم البيتية من حيث أنهم يعيشون هم وأولادهم وزوجات أولادهم في بيت واحد، أما البيوت الحديثة، فكان الأولاد ينفردون في بيوت خاصة، حتى اللباس كان مختلفا بين المنطقتين؛ فبقدر ما كانت هناك أزياء غربية في هذه المنطقة، كان الشروال والقنباز ما يزال رائجا في دمشق القديمة، ولعل في ملاحظته هذه ما يكشف لنا، أن بعض الصور التي تتداول أحيانا عن نساء دمشقيات يرتدين تنانير قصيرة في تلك الفترة، لا يعكس بالضرورة واقع المدينة عموما، وأن المدينة أيضا، عرفت مثل بيروت والقاهرة نقاشا واسعاً حول اللباس وأصوله.

عفيف والحقوق

عندما كبر البهنسي درس بداية في معهد المعلمين، وبعد تخرجه في عمر مبكر (17 عاما) مارس هذه المهنة، والتي كانت بمثابة تطور كبير في حياته، وبالأخص على صعيد الدخل، إذ يذكر أن راتبه الشهري 80 ليرة كان يكفيه ويزيد، ما أتاح له فرصة التوفير لإكمال دراسته في كلية الحقوق، على الرغم من اهتماماته المبكرة في العمل الفني، إلا أنه لم يكن أمامه سوى الدراسة في هذه الكلية، بسبب عدم اكتمال باقي فروع الجامعات، ولذلك بدت له كلية الحقوق مناسبة «أولا بالنسبة لمجتمعنا، وهي علامة مهمة على الثقافة، فأكثر المثقفين كانوا يحملون شهادات الحقوق، وهذه الشهادات مدخل لكثير من الأعمال في جميع الوزارات» ولعل في هذه الملاحظات التي ذكرها ما يعيدنا لما كتبته الباحثة الفرنسية اليزابيث لونغنيس حول تاريخ المهن في سوريا، وكيف أن بعض المهن مثل التعليم والحقوق والطب، كانت في الغالب هي المهن التي مارستها النخب الجديدة، قبل أن تأتي مهنة الهندسة لاحقا في السبعينيات بوصفها القادرة على بناء مرافق الدولة، والإشراف عليها، ليتطور الأمر في التسعينيات والألفية الجديدة لصالح مهن أخرى مثل هندسة المعلوماتية وإدارة الأعمال، التي أخذت تكشف عن عقلية جديدة للدولة، ومما يذكره عن تلك الفترة أستاذه معروف الدواليبي، الذي كانت له طريقة تدريس فريدة، وكانت له أفكار تقدمية في الفكر الإسلامي.
ومما يذكره أيضا عن هذه الفترة، مقهى الهافانا، الذي كان ملتقى للمفكرين بشكل خاص، وكان ثمة مقهى يقابلها اسمه (مقهى البرازيل) للصحافيين غالبا وللأشخاص الذين لا يهتمون بالفكر، لكن يهتمون باليوميات السياسية، ومن بين الصور المهمة في هذا الجانب، أن البهنسي سيحتفظ لنا بصورة غنية عن واقع المكتبات في دمشق الخمسينيات، ما قد يمثل نقطة انطلاق جيدة لإعادة قراءة تاريخ المكتبات في سوريا، منذ تلك الفترة إلى يومنا هذا، التي تعرضت فيه المكتبات السورية لعملية «إبادة» وفق تعبير ريبا نوث مؤلفة كتاب «إبادة الكتب» ويذكر البهنسي أن المكتبات كانت على نوعين: إما تحيط بالجامع الأموي في المسكية وتبيع الكتب القديمة غالبا ومنها مخطوطات، أو مكتبات جديدة، وكانت مثل المكتبة العمومية، التي كانت تتكون من ثلاثة محلات، وليست بناء واحدا، وتعنى بالكتب الأجنبية بشكل خاص، ثم جاءت مكتبة أطلس، بينما كانت مكتبة النوري هي الثالثة واستطاعت أن تكون عربية محضة.

البطاقة الجامعية للطالب عفيف البهنسي في كلية الحقوق

بعد تخرجه من كلية الحقوق في الخمسينيات، عمل لفترة رئيسا لمحكمة الجمارك، ثم التحق بالخدمة العسكرية، إلى جانب الشاعر أدونيس ونبيه العاقل، وخلال هذه الفترة عمل على ترجمة كتاب «الغثيان» لجان بول ساتر. وبعد ذلك ستتاح له فرصة الدراسة في باريس، وهناك قرر إعداد أطروحة في معهد جوليان للعمل الفني عن الفن والاستشراق، سيكتب يومها عن جميع الفنانين الغربيين، الذين أدوا الخدمة العسكرية في العالم العربي، ليكتشف من خلالهم أنّ الباحثين الغربيين الحديثين، استطاعوا أن يدخلوا إلى صميم الشرق ليس من خلال المواضيع فقط، وإنما من خلال جمالية الفن العربي الإسلامي، لكن ما يلاحظ في هذا الكتاب أنّ البهنسي لم يبد موقفا سلبيا من المستشرقين، خلافا لما سيكتبه لاحقا إدوارد سعيد في كتابه حول الاستشراق، وإن بدا أن البهنسي قد عاد لاحقا ليتأثر برؤية سعيد أحيانا، وربما ذلك لكونه أخذ يخوض معارك فكرية من نوع آخر، بعد عمله في مؤسسات المتاحف، ومحاولته نقض الأطروحة التوراتية حول فلسطين. وبعد عودته، سيعمل لفترة في وزارة الثقافة الناشئة آنذاك، ومن ثم في المعهد العالي للفنون الجميلة، الذي سيتحول في الستينيات إلى فرع أكاديمي، ليدرس به تاريخ الفن والعمارة. وسينتقل في السبعينيات (1971) بعد لقاء جمعه بالرئيس السوري حافظ الأسد، إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف، والتقى بالأسد مرة أخرى، وكان «راضيا عن المقالات التي كنت أكتبها» في صحيفة «الثورة» كما يؤكد أن علاقته بوزيرة الثقافة السورية السابقة نجاح العطار كانت على خير ما يرام، وربما فضّل البهنسي هنا التعامل مع الأمر الواقع، بدلاً من أخذ مواقف سياسية، والتركيز على عمله المهني وأبحاثه في تاريخ الفن، ولعل ما يدعم هذا الاستنتاج ملاحظته التي يبديها حيال صديقه مطاع صفدي، الذي انساق، كما يقول، في العمل السياسي: «فعانى الاغتراب في باريس وبيروت، متابعا موهبته في الكتابة الفلسفية من خلال مجلاته ومؤلفاته» بينما وجد البهنسي أن دوره يكمن في البقاء والعمل داخل سوريا، وربما سيتيح له هذا القرار التركيز أكثر في مجال الآثار لتعرف فترته بفترة الاكتشافات الأثرية الكبرى في سوريا مثل اكتشاف مملكة آبلا وألواحها، كما لعب دورا مهما على صعيد بناء المتاحف في باقي المدن السورية. والمهم في هذه الفصول من حياته، أنها تكشف كيف كانت تدار مؤسسات المتاحف آنذاك، وما هي الجهات التي عملت في التنقيب، كما أننا من خلال ما يذكره نتعرف على تاريخ آخر لسوريا القديمة، كان يعاد اكتشافه في فترة توليه لإدارة المتاحف مع اليابانيين والأمريكيين والألمان، وغيرهم من الباحثين في علم الآثار والتاريخ القديم. كما يروي لنا تفاصيل يومية حول كيف أعيد ترميم خان أسعد باشا، ما يتيح للقارئ والمهتم بتاريخ البلاد التعرف على تواريخ وذكريات أخرى عن الذكريات السياسية، وعن تفاصيل عمل بعض المؤسسات الثقافية السورية في فترة السبعينيات وحتى التسعينيات تقريباً.

في قصر يلدز

بعد تقاعده في عام 1989، انتقل البهنسي للعمل مع منظمة اليونسكو لإعادة ترميم بعض جوامع وأسواق مدينة صنعاء، ولن تتوقف محطته هنا، بل سيكمل دربه بعد ذلك بسنوات للعمل رئيسا لمركز الأبحاث والتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية في إسطنبول، أو ما يعرف بمركز أرسيكا الذي كان يقع في فناء قصر يلدز سابقا، واستمر عمله قرابة الـ12 عاماً، ولعلنا نعثر في مذكراته غير المنشورة على تفاصيل أكثر عن مدينة إسطنبول في التسعينيات «في ظل نظام أتاتوركي» كما يذكر، قبل قدوم السوريين للمدينة بقرابة عقد وأكثر، وتحولهم إلى جماعة كبيرة لها أسواقها وحياتها وثقافتها المختلفة، ولعل كل هذه التفاصيل وغيرها تكون سبباً إضافيا لضرورة المسارعة في نشر سيرته من قبل ورثته، أو دار الفكر التي أشرفت على طباعة هذه المقابلات، للكشف عن المزيد من ذكريات البهنسي حول ماضينا القريب.

باحث سوري