الرئيسية / home slide / أوراق أفندي الغلغول: سيرة مدينة بيروت خلال مئة عام

أوراق أفندي الغلغول: سيرة مدينة بيروت خلال مئة عام

هاشم الجمال مع أولاده في عام – 1912 من أرشيف المؤلف


 محمد تركي الربيعو
القدس العربي
01052021

قبل سنوات قليلة، أصدر مرصد بيروت الحضري كتاب «أفندي الغلغول» للألسني اللبناني نادر سراج، الذي تناول فيه التاريخ الاجتماعي لبيروت، خلال العقود الأخيرة العثمانية وبدايات فترة الانتداب الفرنسي، من خلال تاريخ وأوراق عائلة أحد أعيان بيروت (هاشم الجمّال).
ورغم أهمية الحياكة الأنثروبولوجية لمدينة بيروت، التي قدّمها سراج في هذا العمل، إلا أنّ الكتاب لم يحظ بحقه الكافي من القراءة والنقاش، إذ لم يتح ـ إلى يومنا هذا ـ سوى لقلة من الباحثين والقراء الإطلاع عليه، على الرغم من أنه، كما كتب المؤرخ الفلسطيني سليم تماري في سياق التعريف به، «مرشح ليصبح مرجعاً أساسياً في دراسة حواضر بلاد الشام». وانطلاقاً من هذه الأهمية، فإنّ هناك من دعا مؤخراً لإعادة طباعة هذا الكتاب، خاصة أنّ بيروت، وهي محور الكتاب، تعيش اليوم في ظل مشهد آخر، قد يختلف قليلا عن زمن طبعته الأولى (2013)، إذ نرى كيف أخذت هذه المدينة تعيش في محنة من نوع آخر، ترافق ذلك مع دمار حلّ بها جراء الانفجار الأخير، وتردّي الأوضاع الاقتصادية، لذلك تشكّل العودة لهذا الكتاب فرصة لجمع ما يمكن جمعه أو إرسال رسائل للبيروتيين بضرورة إنقاذ ما يمكن إنقاذه عن تاريخهم الاجتماعي واليومي.
وبالانتقال للكتاب، أول انطباع قد يتشكّل في ذهن القارئ، أنه أمام عمل شبيه بعمل الروائي اللبناني أمين معلوف «بدايات»، الذي أعاد فيه قراءة التاريخ الاجتماعي للبنانيين ما بعد الحرب الأهلية، من خلال رسائل عائلته. ونعثر في كتاب سراج على شيء موازٍ، إذ يحاول من خلال هذا الكتاب الإحاطة بتاريخ بيروت في فترة معينة (1854/1940) عبر أوراق عائلة وجيه بيروتي (هاشم الجمّال من أبناء حي الغلغول)، وهي مدونات تضم قرابة 30 صفحة كُتِبت بخط اليد، وتتضمن أسماء ووقائع شخصية وعائلية ومهنية، بما فيها الأحوال الشخصية لأبنائه، مثل الولادة والزواج والإنجاب والطلاق والوفاة، وبيوعات البيوت، كما اعتمد على أوراق عائلية منسية أخرى، مؤلفة من مراسلات وصور ورسائل وشهادات مدرسية وجامعية، بالإضافة إلى الاعتماد على سالنامات عثمانية لمدينة بيروت في تلك الفترة، وسجلات المحاكم الشرعية المتعلقة بالعائلة، كما تتبع بعض تفاصيل حياة العائلة، من خلال ذكريات الأحفاد الصغار (الجيل الثالث من أسرة الأفندي)، الذين أصبحوا كهولا في زمن البحث، عبر الانتقال بين حلب ودمشق وباريس، لجمع بعض المشاهدات والذكريات. ولم تكن إعادة تقميش كل هذه الأوراق والشهادات بالأمر السهل، من دون الخيال الروائين الذي كشف عنه مؤلفنا وهو يرمم بعض الصور العامة عن بيروت خلال تتبعه لخطوات هاشم أفندي في المدينة.

من أرشيف المؤلف..هاشم الجمال وحفيده ناجي

حي الغلغول

كان حي الغلغول، الموجود اليوم في محلة الباشورة، يقع في الجهة الجنوبية لأسوار بيروت، تفصل بينه وبين هذه الأسوار ساحة، أصبحت اليوم تسمى، ساحة رياض الصلح. ويبدو أنّ تسمية الغلغول تعود إلى القرن السابع عشر، والغلغول لغة هي جذور الشجر التي تتعمق في الأرض. بقي بيت هاشم الجمال في هذا الحي قائما حتى عام 1995، مع بداية إزالة بعض معالم بيروت من قبل مشروع السوليدير.
عاش الشاب هاشم طفولته في حي الغلغول، ومما ذكره لأحفاده، أنّ منزلهم كان يتكون من دار فسيحة وإيوان ومربعين وبيت مؤونة ومطبخ وجنينة تحيط بالدار، وبئر ماء، بينما لا نعثر على النافورة التي تميزت بها البيوت الدمشقية العثمانية. وكحال أبناء جيله من المتعلمين، فقد أتقن الجمال، التركية والعربية، وغدا شابا عثمانيا عصريا. تكشف هذه المرحلة من حياة الشاب هاشم أنّ سلوكيات قسم كبير من أهالي بيروت كانت تقوم على المعرفة الشرعية، وحيل المذهب الحنفي، وأن بيروت في تلك اللحظة بدت مدينة محافظة إلى حد ما. كما يذكر هاشم الجمال أن والده علي الجمال، طالما ردد على مسامعه ومسامع شقيقيه قول الإمام الغزالي بضرورة أن يحذر المرء من أن يتطلع من السطح إلى عورات الجار، ويذكر كذلك سهرات الزفاف التي كانت تقام بحضور العلماء لتلاوة البخاري، وتقديم ختمة للقرآن الكريم مدة سبعة أيام بحضور كبار رجال الدولة. كما تبدو المدينة في هذه اليوميات مدينة للأوقاف، التي تكشف لنا عن خريطة بعض العائلات والأفراد، الذين سكنوا المدينة من خلال أسماء الأشخاص الذين سكنوا أو استأجروا الأملاك التابعة للوقفيات.
كما تكشف لنا حركة البيوعات، المسجلة في وثائق العائلة الشرعية، أنّ مدينة بيروت بعيد ستينيات القرن التاسع عشر كانت تشهد حالة امتداد عمراني خارج الأسوار، ونتعرف من خلال المؤلف على أسماء شوارع وأحياء للمدينة، اختفى معظمها لاحقا أو بُدِّلَ اسمه، مثل سوقي العطارين والبازركان، وكانا بالأساس جزءا من كاتدرائية مار يوحنا قبل أن يحولها المماليك إلى جامع إسلامي. لكن السوق اختلف وزال هو وسواه من الوجود المديني، وأصبح اسمه اليوم شارع جورج عاقوري. وكذلك الحال بالنسبة لساحة عصور، التي غدا اسمها ساحة رياض الصلح، وهنا نكتشف كيف أنّ الظروف السياسية وصناعة الأمة اللبنانية الجديدة، كان يأتي أحيانا على حساب العمران والمكان وتاريخيته، وهذا ما لاحظه الأنثروبولوجي الفرنسي فرنك ميرمييه في سياق قراءته لمدينة بيروت، إذ لاحظ أن هذه المدينة يصح فيها المعطى الأنثروبولوجي القائل بأن العنف (عنف الدولة في حالتنا) ينتهك نسيح المكان أو الإقليم المادي أو الرمزي.
من بين الأحداث المهمة التي عايشها هاشم الجمال، أحداث عام 1860، يومها نُصِبت الخيم في الغلغول وغيرها من البساتين المحيطة بالمدينة، لإيواء النصارى المسيحيين، واللافت أن هذا الحدث سيكون بداية أيضا لتطور مدينة بيروت، وتطور العلم والمعرفة في المدينة، إذ سيكتب جرجي زيدان في مجلة «الهلال» 1918 أنّ تاريخ بيروت الحديث سيبدأ سنة 1860، فنزوح أهل تلك البلاد لالتماس الرزق دفع بالمرسلين الأمريكيين واليسوعيين والإنكليز والعازاريين وغيرهم إلى إنشاء المدارس لتعليم الفقراء وإعالتهم. نعثر أيضاَ على صورة مغايرة للصورة التي رسمها بعض الدبلوماسيين حول الموقف السلبي لمسلمي بيروت من جيرانهم النصارى.


مقهى بيروت في بدايات القرن العشرين

قدوم اليوميات

سنقترب أكثر من المشهد العام في بيروت مع الكشف أكثر عن «ترجمة الحال» التي كتبها الجمال، بعد أن كبر الشاب، وغدا موظفاً حكومياً لمدة أربعة عقود ونيف، ومما يلاحظ أنه كثير التجوال منذ مطلع شبابه، فقد زار دمشق للمرة الأولى عام 1869، وقد وصل إليها من خلال طريق الشام الذي شيِّد في عام 1863، فكان له دور في التطور الحضري للمدينة، بالإضافة إلى عامل آخر وهو الفرمان العثماني القاضي بإنشاء ولاية بيروت، والذي طبق في 1887. كان الطريق يبدأ من ساحة البرج في بيروت ماراً بجبل لبنان، فالبقاع منتهياً إلى الشام، بعد ذلك بسنوات 1874، سيتزوج الشاب هاشم وهو في العشرين من عمره، بينما كانت زوجته في الثالثة عشرة، ومع مرور السنوات كانت هذه الزوجة تزداد وزنا، بسبب كثرة الإنجاب (13 ولداً)، ولذلك اقتنى لها زوجها عربة «تك» مغلقة الجوانب، يجرها حصان وأوكل أمر قيادتها إلى سائق عربجي ذي أصول افريقية. تُعيدُ هذه الحادثة المؤلف إلى كاره التقليدي (اللسانيات)، ليبحث في جذور هذه التسمية، إذ يرى أن البيارته قد التبس عليهم اسم «تك» فكان من يضيف أو يلفظها باسم «تاك»، بينما فسرها آخرون بوصفها كلمة مشتقة من وقع صوت حافر الحصان في مساره (تاك تاك)، أما سراج فيعتقد أنّ «التك» مصطلح تركي يعني فرد واحد، وحيد. ولعل ما تكشفه هذه التسمية أنّ الفضاء البيروتي آنذاك، بقي فضاء عثمانيا، رغم الحديث عن زيادة الإرساليات والوجود الأوروبي في المدينة.
ستبدأ أولى رسائل التغير الأوروبية في حياة هذا الرجل مع بدء التردد إلى مبنى إدارة البوسطة والتلغراف المتمركزة في سوق الجميل عام 1899 قبل أن تنتقل إلى موقع القلعة 1900، وفي عام 1905 شهد للمرة الأولى اسم مدينته الحبيبة بيروت موشحا بالفرنسية على طابع فرنسي، وهذا ما كان يعد دليلا على فشل الدولة العلية في الحد من النفوذ الأوروبي المتنامي في المدينة. ستزداد وتيرة هذا الشعور، وهذا ما سنراه من خلال رسالة أرسلها لأحد أبنائه، يتناول فيها ضرب الطليان لبيروت في عام 1912، ما تسبب بمقتل 150 بين عسكري ومدني من أهالي بيروت. وفي عشية الحرب العالمية الأولى، سيتولى منصب رئيس بلدية صيدا، وخلال هذه الفترة ستكشف لنا بعض الرسائل التي تداولها مع أحد أبنائه، بأنّ الأوضاع في بيروت خلال الحرب كانت سيئة، وبالأخص في عام 1916 مع مصادرة جمال باشا للقمح والحنطة، ويخبره فيها بأنّ أوضاع العائلة قد تأثرت جراء ارتفاع الأسعار، وهذا ما يذكره أيضا ضابط بيروتي آخر (عبد الله دبوس) في مذكراته، فما كان من الابن (الضابط آنذاك في الجيش العثماني في القدس) سوى أن قام بإرسال عربة تحمل الأرز والعدس والبرغل لمساعدة والديه والعائلة.
ومع قدوم فترة الانتداب، نلاحظ أنّ مساراته الحياتية، تركّزت على تفقد الأولاد في صيدا وحلب ودمشق، فضلا عن الاهتمام بالشأن العائلي، كما حرص على تسجيل بعض التفاصيل في حياته بصيدا مثل وفاة جاره (محمد الددا) مثلاً في 20 آب/أغسطس 1927، مما يعكس طبيعة علاقات الجيران آنذاك مقارنة بأيامنا هذه، فالجار في تلك الأيام كما يبدو كان جزءا رئيسيا من الحياة اليومية، ولذلك فإن غيابه يشكل حدثاً يتطلب التدوين.
سيحصل على جواز سفر إيطالي، وسيشهد الفضاء العام البيروتي تغيرات عمرانية، مع إزالة معالم دينية عديدة، مثل زاوية الدكة، المعروفة بالزاوية العمرية بذريعة توسيع الطرق الضيقة، كما ستشهد هذه الفترة تغيرات اجتماعية عديدة، فعلى صعيد الأولاد مثلاً، يلاحظ من خلال التراجم التي أعدها المؤلف حول أبناء هاشم، أنّ جدهم علي الجمال ووالدهم لم يتزوجا سوى زوجة واحدة، بينما سنرى أنّ ثلاثة ذكور من أصل أولاده السبعة تزوجوا أكثر من زوجة بعيد هذه الفترة (محيي الدين 4 زوجات)، ما يعني أنّ الانتقال من بيروت الصغيرة والمحافظة مع الجد والابن، إلى بيروت ما بعد العثمنة، قد ترافق مع تغير في نظام الزواج، ورغم أنّ هذا الاستنتاج يحتاج إلى أمثلة أخرى، وإحصائيات، ولكن في ظل غيابها، تبدو بيروت كباقي الحواضر العثمانية العربية مثل مدينة حلب، التي كانت محل دراسة من قبل المؤرخة الأمريكية مارغريت ميرويذر، التي لاحظت في سياق قراءتها للسجلات الشرعية للمدينة خلال الفترة الممتدة بين (1770/1840)، وهي فترة قريبة من فترة عائلة الجمال (الجد)، أنّ عددا قليلاً من الرجال في هذه المدينة كانوا يرتبطون بزوجة أخرى (رغم أنّ حلب كانت مدينة كبيرة)، وفي حال قبلنا بهذه النتيجة، حيال بيروت وعائلة الجمال، فإننا سنرى أنه خلافاً لما يُقال عادة عن أنّ فترة الحداثة قد ساهمت في التقليل من عدد الزوجات، أو ساهمت في خلق فكرة الاكتفاء بزوجة واحدة، فقد حصل العكس على صعيد هذه العائلة، أو أهالي بيروت، أو لعل هذا الاختلال يعكس حالة من عدم الاستقرار الحضري بسبب التغيرات التي فرضتها الحرب العظمى الأولى.
الملاحظ أيضا على صعيد زواج أفراد العائلة، أنّ زيجات الفتيات، جرت في الأغلب داخل العائلة، بينما لا نرى ذلك على صعيد الشباب، ولعل ذلك يعود إلى تعدد مسارات الشباب المهنية، في أدرنة وطولكرم وحلب واللاذقية (ابنه صلاح الدين الذي درس الطب في إيطاليا وعمل في حلب وجدة وعدن)، وربما يعكس هذا الزواج الخارجي أيضاً كيف أن مدينة بيروت، أخذت تتحول شيئا فشيئا إلى مدينة أكبر مع العشرينيات من القرن الماضي.



بيروت 1920

طربوش الأفندي وبريانطين الأحفاد

لن يقتصر سراج على كتب اليوميات والسجلات الشرعية في هذا الكتاب، بل سنراه يندفع لإكمال تفاصيل من حياة أبناء الحاج هاشم، عبر قراءة لسان كل صورة تركها الحاج هاشم وأبناؤه على مدى المئة عام، وهنا سنكتشف أن الصور القديمة، لا تعد مكانا لجمع ذكريات عائلاتنا فحسب، أو الاحتفاظ بها من باب الحنين، وإنما هذه الصور هي عبارة عن تواريخ موازية. يؤكد سراج، أنّ الدولة العثمانية اعتمدت الصورة كبرهان على سياسة التحديث التي أطلقتها منذ أربعينيات القرن الماضي، ولذلك كانت الغلبة في هذه الصور للمعالم العمرانية والإنشاءات، لكن هذا التدوين لن يقتصر على الحكومة، بل سنرى عائلات ذلك الزمن أيضا تسعى لرسم صورة وتترجم حيوات أفرادها من خلال الصور الفوتوغرافية أيضاً، ما يعكس وعيا بالذات وبالمحيط وبالعالم العثماني، ولاحقا الانتدابي المتشكّل من حولهم، وبالتالي تلعب صور ذاك الزمن دوراً في التعريف بالتحولات الحضرية التي عرفتها المنطقة، كما تتيح لنا تشكيل معرفة حول تاريخ اللباس وتحولاته خلال فترة المئة سنة.
ويبدو أن بيروت عرفت التصوير الفوتوغرافي في عام 1856، وقد ترك لنا الحاج هاشم صورته وهو طفل 1867، ويظهر فيها مرتدياً سروالا فضفاضا بواسطة زنار عريض وحذاء عربي والطربوش الأحمر النصفي.
يلاحظ سراج كيف أنّ ارتداء الطربوش قد اختلف بين الشباب والكهول، فقد عُرِف الشباب بإمالة الطربوش فوق الجبين إلى ما يحاذي الحاجب أحيانا، بينما كان يقوم الكهول بإمالة الطربوش إلى الخلف حتى يظهر الجبين أكثر، ونرى أنّ الافندي الموظف كان يثبت طربوشه على رأسه بشكل مستقيم ومتوازن. وفي صوره اللاحقة حتى وفاته (1940) نجد أنّ الطربوش بقي جزءا من هندامه، على الرغم من دخولنا مرحلة الانتداب، وفي فترة كان أتاتورك قد أصدر قرارا بخلع الطربوش (1925)، وكأنه بقي يصر من خلال هذا الطربوش على الاعتزاز بثقافته العثمانية. وقد بقي الطربوش يدغدغ مشاعر قسم كبير من ابناء جيله ومنهم مثلا، شكيب أرسلان «الجنتلمان العثماني» وفق تعبير كاتب سيرته وليام كليفلاند، إذ ظل يستعمل الطربوش أيضاً حتى نهاية حياته تقريباً، وهو ما نراه أيضاً في صور ابن الحاج هاشم (إحسان) الذي ظل محافظاً على الطربوش، مع ذلك، تكشف لنا صور عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين أنّ بعض أبناء الحاج وأحفاده باتوا يميلون أكثر للأزياء الأوروبية، مثل الحفيد ناجي الذي يظهر وهو يضع الملمع على شعره، حاسر الرأس. ورغم هذه التغيرات، فقد بقي الطربوش مستخدما حتى الخمسينيات، ولم يكن يعني ذلك بالضرورة انعكاساً لتاريخ طبقي، كما يظهر أحياناً في بعض المسلسلات والأفلام المصرية (زمن الباشا)، وإنما بوصفه رمزا للهوية الإسلامية العصرية التي تشكّلت أواخر أيام العثمانيين، بينما كان الجيل الجديد يسير حاسر الرأس ويلتقط صورا بدون قبعة الأجداد.
يكفي أن نشير في نهاية هذه الرحلة البيروتية، إلى أنّ العودة لقراءة تواريخ عائلاتنا قد يؤسس فعلاً لتاريخ آخر بعيد عن الأيديولوجيات الحزبية والطائفية، كما أنّ الكتابة هنا تأخذ بعداً جديداً، فهي لا تكشف عن صور الماضي وحسب، بل نرى في حال كتاب أفندينا، أنّ المؤلف عبر بين مختلف التخصصات ليمارس من خلال الكتابة نوعا من الدفاع عن مدينة بيروت التي «في خاطرنا»، وهي مدينة تسودها الثقافة والحرية والكلمة اللطيفة، والأوباش فيها قلة، من هنا وجبت إعادة طباعة هذا الكتاب، حفاظاً على هذه الصورة، وعلى تواريخ مدننا.

كاتب سوري