الرئيسية / home slide / أوجه شبه بين “اعتذار” الحريري 2009 وأديب 2020… الممانعة تنسف المبادرة الفرنسية وتدخل لبنان في الجحيم!

أوجه شبه بين “اعتذار” الحريري 2009 وأديب 2020… الممانعة تنسف المبادرة الفرنسية وتدخل لبنان في الجحيم!

28-09-2020 | 00:59 المصدر: النهار

ابراهيم حيدر

الرئيس سعد الحريري والسفير مصطفى أديب

 من الآن وصاعداً، لن يكون سهلاً تكليف رئيس حكومة جديد ينزل تحت السقف الذي حدده الرئيس المعتذر مصطفى أديب. هو أعاد بعض الاعتبار لموقع رئاسة الحكومة على غير مستوى، لا سيما في البيئة السنية، بصرف النظر عما إذا كان يمكن تأليف حكومة اختصاصيين وفقاً للمبادرة الفرنسية في ظل الاصطفافات والمواجهة الإيرانية الأميركية. يظهر أعتذار أديب مغايراً لاعتذار سعد الحريري في 10 أيلول عام 2009، إذ أن الظروف التي كانت سائدة في ذلك الوقت تختلف على رغم أن المشكلة كانت تتمحور أيضاً حول الحقائب، بإصرار جبران باسيل على تسلم وزارة الاتصالات، خصوصاً وأن الأزمة في سوريا لم تكن واقعة. علماً أن الحريري سقطت حكومته في 2009 بعد استقالة وزراء 8 أذار والوزير الملك. جاء اعتذار أديب في ظل المواجهة الإيرانية الأميركية. اعتذار الحريري في 2009 جاء بعد تسوية الدوحة 2008 التي كرست موقع “حزب الله” في السلطة، فيما أعيد تكليفه مجدداً بتسوية أعطت باسيل وزارة الطاقة، لكن حكومته لم تصمد، بعد استقالة الوزير الملك عدنان السيد حسن التي تلت استقالة عشرة وزراء لـ”حزب الله” والممانعة بسبب الخلاف حول المحكمة الدولية. وإذا كان اعتذار أديب قد جاء رفضاً لتوزيع حصص بين القوى السياسية في الحكومة، على رغم اقتراح الحريري بمنح وزارة المال للشيعة شرط تسمية الإسم من رئيس الحكومة المكلف، إلا أن إصرار الثنائي الشيعي على التسمية قد أسقط هذا الاقتراح أيضاً، إذ يعرف أديب أنه لو تنازل في هذا الملف، سيفتح شهية الآخرين على المطالبة بحصصهم وتسمية وزرائهم، ما يعني تحويل حكومته إلى نسخة ثانية عن حكومة حسان دياب المستقيلة، وهذا ما يتناقض مع روح المبادرة الفرنسية التي تعرضت للطعن من قوى عديدة محلية وإقليمية.  كان أديب حاسماً في موقفه ومنسجماً مع ما أعلنه عند تكليفه، لكنه لم يتوقع أن تكون العقد كبيرة الى هذا الحد، كما الفرنسيين تماماً الذين لم يدركوا احتمال تعرض مبادرتهم للتفخيخ، إذ كانت المواجهة الأميركية الإيرانية على أشدها في الوقت الذي كان يعمل فيه الفرنسيون على معالجة النقاط العالقة، فانعكس الأمر على عملية التشكيل وطبيعة الحكومة وتركيبتها، فتقدم الثنائي الشيعي متسلحا بالمكاسب التي حققها في الحكم رافضاً أي تنازل، ليس في حقيبة المال فحسب، بل في تسمية الوزراء وعينه على الثلث المعطل، فيما كان رئيس الجمهورية ميشال عون يدعو أديب إلى لقاء جبران باسيل وبحث الملف الحكومي معه، وكذلك استشارة الكتل النيابية حول التصور الحكومي، وإن كان في المرحلة الأخيرة حذراً ومتخوفاً من العقوبات الأميركية. وكان لافتاً خروج مواقف الكتل النيابية التي تدور في فلك محور المقاومة للمطالبة باختيار وزرائها كشرط لمنح الحكومة الثقة، ما يعني إفراغ المبادرة الفرنسية حول تشكيل حكومة تقود عملية الإصلاح والانقاذ، فنسفت المبادرة قبل أن تصل الأمور إلى تسوية تقوم على تنازلات متبادلة. فيما ساهمت العقوبات الأميركية أيضاً في تعقيد الاجواء وتشكيل الحكومة وجاءت كأنها تطعن بمبادرة الفرنسيبن لاتصالهم بـ”حزب الله”، فبدت الأمور وكأن حرباً إيرانية أميركية تدور على الساحة اللبنانية باصطفافات صبت كلها في نسف المبادرة وفي دفع أديب إلى الاعتذار. لكن إصرار الثنائي الشيعي على شروطه أسقط المبادرة وأدى إلى اعتذار أديب، إذ أن “حزب الله” لم يتراجع عما أعلنه في مفاوضات التشكيل، مرتكزاً على فائض القوة والقدرة على التعطيل، وللأمر أسباب كثيرة، تنطلق من أن الحزب يتخوف من عزله في قرارات الحكومة ما لم يكن مشاركاً فيها، على رغم أنه يستطيع قلب الطاولة، فيما يمتلك الثنائي الشيعي عناصر قوة كثيرة في الهيمنة وفي مجلس النواب. ويتبين أنه يريد حكومة على طريقة الحكومة المستقيلة يكون له كلمة الفصل فيها بتحالفه مع رئيس الجمهورية ميشال عون، لكنه فوجئ بتمسك أديب بموقفه وهو ما لم يأخذه بالاعتبار، فالأخير رفض تسلم لائحة المرشحين للتوزير، كما رفض محاولات عون دفعه للقاء باسيل أو التسليم بشروطه، وهو ما أعاد بعض الاعتبار للرئاسة الثالثة ولصلاحياتها، علماً أن أديب لم يكن في إمكانه في ظل المواجهة الدولية الإيرانية الأميركية وما تلاه من مواقف للمملكة العربية السعودية، التسليم بشروط “حزب الله” واستطرادا محور المقاومة و8 أذار.

  كرّس مصطفى أديب معياراً جديداً لموقع رئيس الحكومة وان كان غير مكتمل، لكنه أعاد بعض القوة لهذا الموقع، وإن لم يكن قادراً على مواجهة “حزب الله” ورئيس الجمهورية أو حتى رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو لم يكن يريد هذا في الأصل، لكنه غيّر الكثير في اللعبة الحكومية وقواعدها، إذ أن أي تكليف لاحق لن يستطيع أن ينزل تحت هذا السقف، أولا في موقع رئاسة الحكومة وفي العلاقة مع بيئة السنية السياسية، وحتى مع البيئات الطوائفية الأخرى. لكن اعتذار أديب سيكون له تداعيات كبرى على الاجتماع اللبناني وعلى الوضعين السياسي والاقتصادي، على رغم أن الفرنسيين أعلنوا استمرار مبادرتهم التي تعرضت لنكسة كبيرة، لن يكون ممكناً تجاوزها ببساطة. فالمرحلة الفاصلة عن الانتخابات الأميركية الرئاسية لم تعد كافية لإحداث خرق في الوضع اللبناني الذي وصل الى مرحلة الحضيض، في وقت يتمسك الإيرانيون بشروطهم اللبنانية من خلال “حزب الله” فيما يواصل الاميركيون فرض عقوبات والتشدد والضغوط على كل من يتعامل مع “حزب الله”. يعني ذلك أن المبارة الفرنسية لم تعد قادرة في هذه المرحلة على الوصول الى توافق حول تكليف رئيس حكومة جديد وتشكيلها قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية بالطريقة التي كانت تطرحها، وهي غير قادرة على التسليم بشروط “حزب الله” حتى لو كانت الأسماء المطروحة لأي حكومة غير حزبية. كان الاعتذار لا بد منه في ظل الضغوط، وبعدما أطلقت كتل 8 أذار النار سلفاً على الرئيس المكلف والمبادرة. علماً أن الفرنسيين تفهموا اعتذار أديب بعدما أخذوا علماً به، وسلموا أن لا إمكان لتشكيل حكومة في ظل الانقسامات الراهنة. لكن إغراق المبادرة الفرنسية حالياً يعني أن لبنان دخل في الجحيم…

ibrahim.haidar@annahar.com.lbTwitter: @ihaidar62