أهالي بيروت يطلقون النار على رؤوسهم بتسليم “حزب الله” نصف قرار العاصمة

محمّد نمر
النهار
08052018

في قراءة هادئة، وقبل تشكيل أي تحالفات، فإن الرئيس سعد الحريري حظي بثاني أكبر كتلة نيابية في مجلس النواب عددها 21 نائباً، كما أن نسبة 18 نائباً سنياً تثبت نظرية أنه الأقوى سنياً و”غير قابل للكسر”، لكن في الوقت نفسه ما جدوى ذلك أمام خسارة نصف قرار بيروت، بعد مقاطعة غير ذكية ولا هادفة؟

حظي الحريري بهذه النتيجة، في كل لبنان، في ظل قانون كان واضحاً أنه ليس لمصلحته، وسياسات التضحية لأجل استقرار البلد على مصلحة الحسابات الحزبية والمزاج الشعبي، وضائقة مالية لم يعتدها من اعتبروا آل الحريري عنصر أمان مادياً للطائفة السنية. لا شك أن “تيار المستقبل” مرتاح الى النتائج لأنها كانت متوقعة، وتحديداً في طرابلس التي شهدت خسارة اللواء أشرف ريفي، لكن لدائرة “بيروت الثانية” غصة حريرية وخذلان من البيروتيين. أتت النتيجة في ذكرى اليوم نفسه الذي اجتيحت فيه بيروت من “حزب الله” وسراياه في 7 أيار 2008، ولم يكن المشهد بعيداً عن ذلك اليوم، إذ وصلت نشوة الانتصار لدى أنصار الحزب إلى تمزيق صور الحريري ووضع علم الحزب على تمثال الرئيس الشهيد رفيق الحريري مكان اغتياله، واستفزاز سكان المدينة، لكن المعلومات تؤكد أن الأمور لن تستمر على هذا الحال خلال الساعات المقبلة، وان قرارات كبيرة قد تتخذ إذا قصّر الأمن في محاسبة المسؤولين.

بنى “المستقبل” توقعاته على 7 أو 8 حواصل، لكن النتيجة كانت: أربعة نواب للائحة “وحدة بيروت”، أمين شري (حزب الله)، محمد خواجة (حركة أمل)، عدنان طرابلسي (مشاريع)، ادغار طرابلسي (قسيس انجيلي). مقعد للائحة “لبنان حرزان” لفؤاد مخزومي، وحظيت لائحة الحريري على 6 مقاعد بينها مقعد درزي لحزب التقدمي الاشتراكي ممثلاً بفيصل الصايغ، و5 مقاعد من أصل 11 لـ”تيار المستقبل”: الحريري، الوزير نهاد المشنوق، الرئيس تمام سلام، رولا الطبش، نزيه نجم (مقعد روم أرثوذكس) وبتلك النتيجة يكون “المستقبل” قد خسر أكثر من نصف قرار بيروت، وهذا الخطر كان عنوان الحملة السياسية الذي قام بها الوزير المشنوق قبل الانتخابات، وتوقعاته العددية للائحة “وحدة بيروت” لم تكن بعيدة عن الواقع، فضلاً عن أن الحريري لمح أكثر من مرة من السيطرة على نصف العاصمة.

الضربة المفاجئة الأكبر كانت معنوية بحصول مرشح الحزب على أعلى نسبة صوت تفضيلي في بيروت، لكن هذه النتيجة لم يحصل عليها شري بعضلاته، بل أتت جراء لعبة القانون الجديد وقرار “المستقبل” توزيع الأصوات التفضيلية على كل أعضاء اللائحة، بدلاً من أن تصب بأكملها على اسم الحريري.

غصة إضافية بين أنصار “المستقبل” جراء دخول مخزومي إلى مجلس النواب، إذ يخشون أن تتطور حالته البيروتية خلال السنوات الأربع المقبلة وأن يزداد قوة في الدورة الانتخابية عام 2022. فنظرية هؤلاء أن من يؤيدون “المستقبل” لن ينتقلوا إلى صفوف “الأحباش”، وان الشيعة المعارضين من “المستقبل” على عداء دائم مع “حزب الله”، أما مخزومي فحالته تمكنه من خطف المزيد من جمهور “المستقبل”.

المسؤولية الأولى تقع على “البيارتة”، وفق ما يعتبر سياسي “مستقبلي”. ولا يختلف اثنان على وجود نقمة على سياسات الحريري في الفترة الأخيرة، ادت إلى حالة من الانفصام لدى جمهوره وتحديداً من الطائفة السنية، لكن السياسي يسأل: “كان هناك خيارات أمام البيروتيين، ولو فازت لوائح أخرى كـ”بيروت الوطن” أو غيرها، لكنا قلنا إن البيروتيين اطلقوا النار بين أقدامهم بدلاً من رؤوسهم بالمقاطعة”. ويضيف: “اهالي بيروت تركوا المدينة لحزب الله. وغلب العقل الخدماتي على الاستراتيجية السياسية، وليس سهلا على المستقبل أن يفقد نصف المدينة”. والسؤال الأول اليوم الذي يجب أن يبحث عنه الحريري: لماذا نحو 59% من البيروتيين قاطعوا الانتخابات؟ من الاجابة تبدأ مرحلة المعالجة.

والعتب أيضا على أداء الماكينة الانتخابية “المستقبلية” واضح على لسان كثيرين، ويصفها أحد القريبين منها بـ”الفوضوية، وخرقتها عادات مالية من الماضي لا تتناسب مع الواقع الحالي”. وأكد الحريري في أول تصريح بعد الانتخابات أن “ثغرات كثيرة” كانت في تياره، متعهدا بمحاسبة المسؤولين عنها والعمل أكثر. وهي تنسجم مع دعوة كثيرين من أنصاره، إلى اجراء مراجعة نقدية لحال “تيار المستقبل”، وتغييرات جدية في مجموعة من المستشارين تتناسب مع الأجواء السياسية الحالية والمقبلة وترضي رغبات جمهوره.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*